سعيد المودني
جاء الشرع الحنيف لإسعاد الناس في الدارين. هذا ما يؤمن به المؤمنون بأي شرع. وهو بهذا المعنى لا يصلح لهم مآلهم فقط، بل يعتمد إصلاح الحال أولا، لأن الدنيا مزرعة الآخرة كما يقال.
وعلى هذا الأساس يجب اعتماد كل المصادر الشرعية واستغلالها والاستفادة منها إلى أقصى الحدود وفي جميع المجالات، بل ينبغي استحضارها في كل حركة وكل حين.. "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، نعم يبقى هذا الحديث النبوي الشريف موجها عاما لدفة مجال الاجتهاد البشري في الميدان الحضاري والتقني والمعيشي..
ولكن يمكن -بل يجب- الاستئناس والاستعانة بما تعلق من النصوص بنعيم الحياة ويسرها ورفاهيتها، والتي قد تكون(النصوص) في كثير من الأحيان حافزا للبحث والابتكار، أو معلما موجها لتكييف التشريع الاجتهادي لصالح المعيش... وفي هذا الإطار، يجب أن نتصور وقع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يُنزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله.
"(مسند الإمام أحمد)، وأثره على اجتهاد أطباء المسلمين!! فهو يحفزهم أيما تحفيز للبحث عن دواء أي داء بيقين الوجود، وإنما يتحدون العقل والزمن فحسب.. والأمر يفرق كثيرا في الدافعية والمثابرة أثناء البحث عن شيء موجود يقينا، عنه عند البحث عن شيء لا ضمان لوجوده ولا أثر. تبتدأ الصلوات المفروضة بين بزوغ الفجر وشروق الشمس، ثم تمتد فترةٌ طويلة لا صلاة فيها، لتستأنف عند منتصف النهار، فتتجمع باقي الصلوات الأربع بين هذا المنتصف وبداية الليل.
الملاحظ أن فترة "الراحة من الصلوات" هذه هي ذاتها فترة القيام بالنشاط الأساسي عند مواطني أغلب الدول الصناعية(مع الإشارة إلى الحرص على إضافة ستين(60) دقيقة للتوقيت العادي كلما سنحت الفرصة بذلك قصد الاستفادة القصوى من الجزء الصباحي للنهار)، لتبقى فترة النهار المتبقية سانحة للقيام بأنشطة ثانية(حرة) قصد السعي إلى رفع الدخل أو الانخراط في الأعمال التطوعية أو الاتجاه إلى ممارسة الهوايات عبر المطالعة أو التمارين الرياضية أو ريادة النوادي الثقافية والمسرحية والسينمائية... ثم يخلدون للنوم مبكرا ليستيقظوا مبكرا وهكذا.. المبدأ: التبكير.. أليس نموذج البلدان المتقدمة هذا هو ما يوحي به منذ الوهلة الأولى توقيت الصلوات؟؟ تنظيم ونظام في النوم والنشاط الأساسي والنشاط الثانوي أو الإضافي!!
وفي انتظار سبر أغوار الموروث عبر تنقيح النصوص من طرف المختصين بعيون ناقدة متفتحة، يبقى الشرع نبراسا ومنارة وموجها لمجهود الناس من أجل السعادة في حياتهم المادية الدنيوية عدا عن وظيفته الأساسية في إفراد المعبود بالعبادة، فقط المطلوب الاجتهاد والتأمل والغوص والعمل بعقل منفتح على خير ما جاء به التشريع للدارين، سعيا للاستفادة القصوى من الحياة والموت..
