احمد اضصالح
15 نونبر 1963م، قبل خمسين عاما من الآن رحل عنا المجاهد العظيم والمؤرخ الكبير والعالم النحرير في الأدب والفقه والشعر..، رحل عنا رجل لا كالرجال، إنه ابن سوس العالمة الذي حفظ خيرها وبركتها حتى كتب عنها وألف فقيل بعد ذلك: "لولا المختار السوسي ما عرفت سوس". نعم لولاه ما عرفت، ولما احتلت مكانتها العلمية اللائقة بين باقي المناطق المغربية شمالا وجنوبا اليوم.
رحل الأمازيغي الأصيل، ابن جبال الأطلس الصغير وفي كتبه ما لا يعد ولا يحصى من الذخائر والنفائس، أرخ لسوس أيما تأريخ حتى بدت للعالمين عروسا جميلة تزف لبيتها يوم عيد، إنه الرجل الذي حمل على عاتقه مهمة التربية والنضال في عهد الاحتلال، وبعد ذلك سهر كمسؤول يقدر معنى المسؤولية على بناء دولة ما بعد الاستقلال.
رحمك الله يا محمد، يا فارس سوس، لقد قصرنا اتجاه قدرك فلم نوفك حقك في الاحتفالات، والمناهج الدراسية الضخمة، ولم نسر على نهجك الذي سطرته بنفسك نهجا فريدا تحملت أعباءه الثقيلة حتى آخر رمق. ظلمناك يا محمد في الذكرى الخمسين لوفاتك.
ها هي الأحداث تثرى بعد مرور كل هذه المدة الزمنية وتلامذتك ومريدوك ما زالوا يتعرضون لشيء من الضيق والحرج، ضيق صنعناه بأيدينا. فبالرغم من التأليف الذي استهدف الأسر العلمية في سوس ورجالات العلم فيها ودورها الكبير في الحياة العامة للناس ، يبقى التنكيت وتكرار المستملحات عن "الفقهاء" أو "الطلبة" أمرا معهودا في المجالس، وفيها ما يكفي لاحتقار أناس جندوا حياتهم خدمة لهم حتى لا يتخبطوا في ظلمات الجهل والأمية. لذلك لا ضير إن وجدنا مقالات صحفية اليوم ومواد إعلامية تنحو نفس هذا المنحى حتى إن البعض شن حملة شديدة اللهجة على من سماهم رجالات الدين بالمعنى الكهنوتي الكنسي متهما إياهم باغتصاب الأطفال. اتهام جماعي لحملة العلم السوسيين في ذكرى وفاة زعيمهم الكبير محمد المختار السوسي المنافح الأول عن كرامتهم.
عذرا يا محمد، فلست بيننا اليوم حتى تكتب كم كان هذا الزمان قاس عليكم، وكم كانت لحومكم مسمومة لمن يبتغي النهش فيها، أنت نبراسنا في شعب هذه الجبال، قبس مضيء يهتدي به السائر في دجى الليالي، لذلك نم قرير العين، فيكفيك شرفا وفخرا أنك أديت ما عليك في حق سوس العالمة رغم تنكر ابنائها له.
