مرة أخرى يأبى سبت يتيمة المدائن أن يمر دون إراقة دماء، ودون دوي رحيل أحمر عن الحياة تطايرت فيه العظام بعدما انكسرت في حادثة سير مفجعة ،لتعلن عن بداية نهاية مسار حياة رجل سلبته الحياة نعيمها، ورمته بكرسي بدائي متحرك، اتخذه وسيلة لإطلالة، بل مرابضة يومية أمام نادي العمال، جعل منها مصدر رزقه، واستغنى بها عن ذل السؤال.
كان حظ الرجل أن يقبع هناك في ظل شجرة، وأن يراقب من هناك ثرثرنا وقهقهاتنا واحتساءنا فناجين القهوة، وأن يأخذ أنفه نصيبا مفروضا من رائحة مرق مطبخ النادي، دون أن يمني النفس في أن يكون للسانه حق تذوقه، لأن القانون يحظر عليه وعلى أمثاله من الذين عجزوا عن تشغيل سواعدهم وغرس أظافرهم في نتوءات الصخور الفوسفاطية حتى مجرد التفكير في تحقيق هذا الحلم، في الوقت الذي كان فيه الأصحاء يعرجون عليه بطانا وهم يتجشؤون ليرمونه بدرهم أو درهمين، وينصرفوا إلى حال سبيلهم، وكان هو يرمقهم بنظراته الحزينة مرددا في دواخل نفسه "الكرش الشبعانة ما حاسا بالكرش الجيعانة".
عذرا أيها الطيب، علموني أن لكل إنسان من اسمه نصيب، فبحث بمعرفتي القاصرة عن مكامن بهجتك، التمستها بداية في قسمات وجهك التي ترك عليها الدهر أخاديد جعلها تنطق بدموع صامتة تأبى الانهمار وآهات مكلومة حجزك عن إخراجها إلى العلن إباء نفس قررت دون إذن منك أن تعيش شامخة، ثم اهتديت إلى موطن بهجتك التي قصرت تربيتنا عن إدراكها، والتي وجدتها في هذا الذي أراه عذابا مقيما، وتراه أنت شموخا حين تقطع كيلومترات ذهابا وإيابا من حي الداخلة حيث تقيم إلى نادي العمال حيث تعمل بكرسيك المتحرك لتحصل على قطعة خبز حاف جعلت من خلالها بينك وبين طرق أبواب الاستنجاد والتوسل والاستخداء والاستنجاد حجابا مستورا وسدا منيعا، فضربت المثل الأعلى بيدك المتوضئة وبطنك الخمصة لما ينبغي أن يكون عليه ابن اليتيمة الحر، وأعطيت درسا قاسيا لمعاقي الضمير والمبادئ والقيم الذين وظفوا صحة البدن في الاسترزاق والتحايل ونهب المال المال العام باسم العمل الجمعوي والجماعي...
كان بإمكانك سيدي أن تؤسس جمعية للمعاقين، وأن تستذرف دموع الداعمين لتظفر في الأخير برصيد مالي ضخم، وأن تتاجر ـ كما يفعل بعضهم ـ بأحلام ذوي الاحتياجات الخاصة ليتسنى لك تأسيس المقاولات وبناء المشاريع التي من شأنها أن تؤهلك لتكون من أصحاب القدر العلي والشأن الجلي... لكنك لم تفعل، واكتفيت بلقمة الحلال وبحياة الظل، لأن البهجة الداخلية التي غمرت قلبك فأكسبتك القناعة، جعلتك تدير وجهك عن هؤلاء المتكالبين على أموال أبناء الوطن، وتذهب بعيدا لتعيش في عالمك الطهراني الذي زرع فيك اليقين بأن البهجة الحقيقية هي بهجة يوم النعيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
إلى أن نلتقي هناك أبانا عبد الرحيم، أهنؤك على الحياة الجديدة التي جعلت مما اعتبرناه نهايتك انبعاثا لصوت سيظل يجلجل أسماع أبناء يتيمة المدائن، يخاطب كل واحد منهم، ممن امتلك السمع والبصر والفؤاد بهذه العبارة: عش عزيزا أو مت وأنت كريم"، نعم لقد نسجت بخيوط من ذهب ملحمة اسمها الجهاد والنضال بعرق الجبين والعفة وكرامة النفس وطهارتها التي لم يأخذ منها الجسد المنهك المتعب شيئا، فإلى اللقاء هناك حبيبنا على إيقاع هذا البيت الشعري: قد مات قوم وما ماتت فضائلهم وقد عاش قوم وهم في الناس أموات.