سعيد المودني
المشكل سياسي دستوري بالأساس في بلدي، لكن حتى الهوامش المتبقية للتدبير اليومي المعيشي، فيها سوء استغلال وتدبير فظيعين، بل فيها عجز وتبذير ومزاجية.. وربما الأمر مرتبط(أثر الإشكال الدستوري على التسيير). فبعدم غلق حلقة المراقبة(الأعلى يراقب الأدنى -طبعا فقط فيما يهمه، كتهديد كيانه مثلا-، والأعلى لا يراقبه أحد، والأدنى لا يراقب أحدا)، وكذا التشكك في المشروعية وما يترتب عنه من فزع اللاطمئنان واللاستقرار، ورغبة في التثبيت في المنصب عبر توسيع قاعدة الفساد بمن يُظن أنهم قادرون على ضمان ذلك..، بسبب هذا كله يتهيكل المشكل في بنية الدولة ليصبح القاعدة والعرف والمكون الرئيس في وصفة البقاء والدوام.
هذا أكيد، وإلا فما تفسير عدم إنجاز عمليات بسيطة لكنها مهمة في حياة المواطنين، وقد كانت جزء من وعود انتخابية؟؟
ما معنى أن يستعصي مشكل المفترض فيه جد بسيط يتعلق بملف حافلات النقل الحضري في مدن عدة؟ هذه الحافلات المهترئة التي تسبب التقزز والغثيان من حيث هيكلها ومنظرها العام، لا تتحرك من نقطة الانطلاق إلا إذا امتلأت مقاعدها عن آخرها، مستهلكة وقت الركاب في نقطة الانطلاق تلك، وفي المحطات المرحلية عبر مسار الخطوط، مكدسة الأنام بعضهم فوق بعض، حتى لا يبقى متوضئ متوضئا ولا لص بريئا ولا مركبات روائح إلا اشتمت... ويبقى المستفيد الوحيد هو موزع التذاكر الذي تتهيأ له الفرصة آنذاك لاستلام النقود دون تسليم تذاكر بدعوى الزحام الشديد، وطبعا البارون الذي ينقل حمولة أربع حافلات في حافلة واحدة موفرا مناصب شغل ومحروقات، بل وحافلات بأكملها!!
تخسر الدولة مناصب شغل هي في أمس الحاجة لشبه واحد منها، ويخسر المواطن وقته وراحته وأمنه، ويربح الفاسدون المفسدون وأعوانهم وأذنابهم..
للإشارة فقط، فإن ما قيل عن التأخر في المواعيد، والازدحام الناتج، والحمولات الغريبة داخل العربات(الحيوانات، السلع المهربة، أكياس النعناع...)... يٌسقط بحذافيره على حافلات النقل العمومي خارج المدن..
الموضوع هنا متعلق بمحاولة الجهات المختصة إعادة هيكلة وتنظيم القطاع، لكن.. "الله غالب"..
في موضوع ذي صلة، ولأسباب اقتصادية يعلمها ويقتنع بها ويدعيها أصحاب الحال، تم قبل سنوات التضييق على استيراد و"تعشير" سيارات أوربا المستعملة عبر الرفع الخيالي لمستحقات "التعشير" واشتراط سقف خمس سنوات كحد أقصى للعملية.
يمكن النظر إلى العملية من عدة جوانب، من مثل: إذا كان الأمر يتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، فلماذا لا يتم التضييق على السلع المهربة عبر كل المنافذ الحدودية شمالا وشرقا وجنوبا، بدء من "ماروخا" و"بايير"، وصولا إلى الأدوية والعقاقير، مرورا عبر المحروقات؟؟ ثم لماذا لا تلتزم الدولة مؤسساتها العديدة باقتناء العربات "الوطنية"(إن وجدت)؟؟
كم خسرت الدولة من مداخيل "التعشير" الصافية عندما كانت عشرات آلاف السيارات يتم بيعها من طرف الجالية كل عام، ثم يحركون عجلات الحافلات أو أجنحة الطائرات أو دفات الباخرات إيابا؟؟
في كل الأحوال نحن رُبّينا على الشك في هذا البلد حتى أننا نشك في الشيء ولو صادف مصلحتنا فعلا، انطلاقا من "كذب المنجمون ولو صدفوا". بالنسبة للمقهورين القاعدة هي العمل المصلحي للمتنفذين، فإذا حصلت مصلحة شعبية فهي إما خطأ أو مصادفة!!
دعنا من هذا كله، فقد فات أوانه ولا يمكن التراجع في التشريعات.. ولكن ما يمكن التحدث عنه الآن: أليس من باب أولى فرض مثيل تلك الشروط على حافلات وشاحنات الأباطرة الاحترافية ذات المداخيل، وسيارات الأجرة الخردة التي لا تزال تلوث الجو، وتقهر المسافرين وترميهم على قارعة الطريق في أحايين كثيرة، دون بديل عند توقفها الفجائي الكثير أثناء السفر أو داخل المدينة؟؟
إن الكثير منها لا وثائق له، وأغلبيتها لا تصلح خما للدجاج، أم دولتنا تراها تعمل بمبدأ "غلبوه ف السوق جا للمرا يدق"!!!!
فرض هذه الشروط المجحفة على سيارات الخواص الاستهلاكية مقابل هذا التساهل مع عربات النقل العمومي "الاحترافية"، المطلوب فيها أكثر من غيرها توفر شروط السلامة، هو باعث آخر على الإصرار على التشكيك في قدرة وإرادة ونية هؤلاء القوم..
في موضوع آخر، كان هناك وعد بالتخفيض في أثمنة الدواء، وفي اقتطاعات التعاضدية والتي لا تختلف في الواقع عن ما يسمى بالتأمين على السيارات: [مصروف مجاني لا بد منه دون مقابل معتبر]، وتعويض بعض الأدوية الغالية الثمن بنظيرتها الجنيسة.. "تسارب"، أي أصبح سرابا..
من جهة أخرى، وقصد فعل المستطاع في تحريم المحرمات، وزيادة في مداخيل الدولة، كانت هناك وعود بالرفع من أثمنة الخمور والسجائر،، لكن يبدو أن الناس كانوا يقصدون المحروقات ولم نستوعب ما قالوا، أو ربما يعاني الناس من داء اللثغ -عافانا الله وإياكم- فلم يفصحوا عما يقصدون..
