المهدي محمد
كثر الحديث هذه الأيام حول الرغيف أو " الخبز" كما نسميه نحن المغاربة ،وحسب معلوماتي المتواضعة، فإن أرباب المخابز بالمغرب في اتجاههم لفرض الأمر الواقع ،وهو زيادة أسعار الخبز والتقليل من حجمه ووزنه رغم النفي المتواصل لهذا الأمر من قبل الحكومة .
وموضوع الرغيف "الخبز" ليس وليد اليوم ، بل هو قديم متجدد ،فقد خرجت علينا الحكومة ذات يوم من عام 2011م بموضوع تقنين القطاع وإعادة هيكلته ،في افق الرقي به إلى مستوى تحديات الأمن الغذائي للشعب المغربي ،الذي يمثل الخبز أهم مكون من مكونات وجباته الغذائية، حيث لا يكاد طبق من الأطباق يخلو من قطعة الخبز ،وقد لقي ذلك المقترح الكثير من التهليل والتطبيل قبل أن يدخل قيد التطبيق ،وكما هو معلوم للبادي والعادي أن هذا المقترح لم يدخل قيد التطبيق حتى هذه اللحظة.
ومعلوم بالضرورة أن موضوع الخبز وما يحتله من قيمة بالنسبة لغذاء المغاربة لم يكن وليد اليوم أو الأمس القريب، بل كانت هناك أبحاث أنجزت حوله ،وتناولت كل ما يرتبط بقيمته الغذائية .. لكن كل ما طرح حتى الآن ،يبدو غير ذي قيمة،إذا ما نظرنا إليه من زاوية " دراسة الجدوى" وثقافة الناس في تناول الغذاء ومدى صمود هذه الأفكار في وجه الزمن ،الذي يضطر المغاربة إلى مركزة نمطهم الغذائي حول الخبز وليس حول غيره، عكس شعوب أخرى حيث محور الغذء لديهم هو الأرز الذي يشكل العنصر الرئيس في التغذية .
أرباب المخابز ظلوا يعلنون رفضهم للعديد من الخطوات التي تم اقتراحها بحجة أنها تؤثر على الأسواق التي يسترزق منها العاملون في القطاع .وفي الواقع أن هنالك شيء من الوجاهة في بعض ما يذهب إليه هؤلاء ،فها هي الأسعار المرتبطة بكل مكونات الخبز ما فتأت ترتفع يوما بعد يوم ،ومواد أخرى تضاعف ثمنها أو كاد ، ،دون أي سابق إعلان ،ودون أن تحرك الحكومة أي ساكن ،خلاف ما ظل رئيسها يتبجح به من حماية القردة الشرائية للمواطن البسيط،والضرب على أيدي المضاربين وكل ما من يتاجر بقوت الناس ،ويهدد قدرتهم الشرائية،لكن ذلك لم يكن سوى صيحة في واد،وتابعت الأسعار ارتفاعها فل كل المواد ،ولم يستثنى منها حتى الملح الذي لم تلحقه زيادة منذ عقود.
الجدل ما يزال مستمرا حول الزيادة في أسعار الخبز بين التهديد بالرفع في أثمان الخبز دون موافقة الحكومة ،وبين رفض الحكومة لهذه الخطوة واعتبارها مساسا بقدرة المواطن الشرائية كما تدعي ..
وقد سارعت الحكومة في شخص وزيرها للحكامة السيد محمد الوفا إلى دعوة أصحاب "قطاع المخابز" إلى لقاء تحاوري، حيث تَجدَّدَ النقاش حول عدد من النقط التي كان الوزير السابق قد تعهدَ بها وبمواصلة الحوار وتعميق النقاش حولها ،ويأتي على رأسها ضرورة تنفيذ الحكومة لجميع التزاماتها التي سبق وقطعتها أمام جمعية أرباب المخابز،والمتعلقة ببرنامج تأهيل وعصرنة القطاع وتحسين وضعية المهنيين وأرباب المخابز والحلويات ،وسن تسعيرة تحفيزية للكهرباء لوحدات الإنتاج.
ومنها أيضا مسألة التكوين والتنظيم وإخراج مدرسة الخبازة إلى الوجود، ومعالجة مشكل التمويلات البنكية، وتحفيز المخابز من خلال إعفاءات ضريبية، ومعالجة قضايا الضمان الاجتماعي، ومعالجة مشكل ارتفاع أسعار الدقيق، وتحيين ثمن الخبز، ومعالجة إشكالية القطاع غير المهيكل في قطاع المخابز.
والواقع أن الحكومة إذا كانت جادة بالفعل في تخفيف أعباء المعيشة على المواطنين وحماية قدرتهم الشرائية،فهي لا تحتاج لكل هذا المسار الطويل والمنعرج ،بل إن من صميم واجبها طرح مُدخلات إنتاج السلع والخدمات الضرورية للحياة بأقل تكلفة ،و تقليل الرسوم والضرائب والجمارك ،ورفع يد المحميات الاقتصادية ،واللوبيات السياسية والاقتصادية ،و كبح جماحها في تسلل أذرعها الأخطبوطية للسطو على الأسواق بغرض الجباية والتضييق على حرية السوق،وهناك جانب آخر يتمثل في كثير من الشركات والمؤسسات التجارية الحكومية أو شبه الحكومية والتي تتمتع بإعفاءات و" تسهيلات" تجعل المنافسة بينها وبين شركات تتخذ من أسواق المساكين مجالا للتسويق ضربا من العبث.
وأقول في هذا الخصوص" القصة ليست قصة خبز" ، وإنما المسألة تتعلق بسياسات عامة وبفكر إداري يهدف إلى تحقيق إنسانية الإنسان في المقام الأول ،وإذا ما وجد المنهج الذي يضع مصلحة المواطن قبل أية حسابات أخرى ،فإن توفير الرغيف والسكر واللحوم والخضروات والعلاج والتعليم بطريقة تخرج هذه الضروريات من قائمة " السلع" وتدخلها في باب الحقوق المستحقة ،يصبح أمرا في غاية السهولة .
بهذه الرؤية المنبثقة من صميم انشغالات الناس ورغباتهم المشروعة،يمكننا التوجه نحو الغد دون أن نخشى على أنفسنا الفاقةَ أو الجوع،كما يمكننا أيضا أن نُجنّب بلادنا أية هزّات اجتماعية يكون الخبز محركها الرئيس،كما حدث في ثمانينات القرن الماضي،راح ضحيتها المئات من البسطاء بين قتيل وجريح ومفقود ، ولا تزال الكثير من الأسر تعاني جراءها الفقر والفاقة والجهل .
