عصام العباري
بقدر التفاؤل الذي انتابنا ساعة دقت مسامعنا أنباء التغيير التي حملها الخطاب الملكي بالقدر الدي انتابني الخوف والهلع مما هو آت ودلك لعدة اعتبارات أولها:
سرعة الاستجابة للمطالب التي خرج الآلاف من المواطنين للمطالبة بها وكلنا يعلم على أن هده المطالب لم تأخذ الوقت الكافي في مطبخ السياسيين حتى تتوحد الرؤى بشأنها ولم تكن ثمرة نقاش مجتمعي ساهمت فيه كل القوى السياسية والمدنية في بلورته ، الكل وما فيه أنها مطالب قديمة جديدة كانت بالنسبة لبعض الأحزاب ورقة ضغط لضمان امتيازات سياسية وبالنسبة لبعض الشباب محاكاة للنماذج السابقة ( تونس و مصر ) وخصوصا أن الوقت لم يكن بما فيه الكفاية حتى بالنسبة للشباب "الثائر" لتعميق النقاش الفكري فيما يراه نموذجا مغربيا للإصلاحات المتوخاة لمغرب الغد
ثانيا- بالحديث عن نوعية الخطاب وشكله ومضامينه يتبين على أن المؤسسة الملكية وكأنها تلقفت هذه الأحداث لتبرأ ذمتها أمام الشعب أولا والمجتمع الدولي ثانيا و التاريخ الذي سيكتب بمداد الفخر هده المبادرة , ليبقى التخوف من مدى مصداقية هده المبادرة خصوصا واننا نتكلم عن هيئة وضع على رأسها رجال من طينة المنوني وعزيمان ...والكل يعلم مدى ولائهم لمؤسسة المخزن والى أي الحد سينجح هؤلاء في المزج بين الولاء والحفاظ على المصالح، ومطالب الشعب ، دون أن ننسى الحديث عن الأحزاب بدءا من أحزاب بدون هوية وأخرى إدارية وأخرى مخز نية وأخرى تستمد قوتها من الصداقة الملكية ؟، ليصل الى علمك أن هده النخبة هي من ستتولى الحديث باسم المغاربة كل هدا يجعلنا نتخوف من مغرب الغد أي غياب الضمانات العقيقية و المادية لإنجاح هده الخطوة
ثالثا- الكل يعلم سقف المطالب المعلنة من فبل الجهات المطالبة بالتغيير والتي كانت تتأرجح في مطالبها بين التعديل الدستوري و مطلب الدستور الجديد وكذلك بين التشبث بالملكية وعلى رأسها امارة المومنين وبين من ينظر الى هده الأخيرة سر الوصفة المخزنية وبالتالي يجب اجتثات مصدر القوة المخزنية و القطيعة مع كل رمز القداسة الشيء الذي من شأنه تقويض مصالح بعض الجهات ، وقد تبين هدا الأمر جليا في يوم 20 فبراير وما كان يصاحبه من شعارات متباينة رغم محاولة البعض اخفاء النوايا وراء اطار الشعبوية ،فبعض هده الشعارات تجاوزت المتوافق حوله الى حد القصد المباشر لشخص الملك واتهامه بالدكتاتورية ,,,,حكم الجبرية ,, الى غير دلك من النعوت التي لم تجد لها صدا وسط آلاف الحناجر من عامة الشعب التي تهتف حبا وولاءا لرمز الأمة، وبالتالي أظن على أن الخطاب جاء متجاوزا لكل هده العبثية التنظيمية ورفع من سقف الإستجابة الى حد يطرح السؤال هل نحن في حاجة أنية لهده المطالب ؟ وهل وصل بنا النضج السياسي الى استيعاب هده الاستجابات ؟ هل أولوية الإصلاحات الدستورية لها أسبقيتها على الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ؟ وما الدي يجبر الملكية الى الذهاب بعيدا في أول رد فعل مباشر على الأحداث.
رابعا- قراءتنا لهده الأحداث بعيدا عن السياق الدولي تعطينا انطباعا بأن الأمر كان ضمن خارطة طريق مخطط بشأنها وعلى أن هده الأحداث لم يكن لها فعل سوى تعجيلها للوجود ، وأهم هده المؤشرات تلك المتعلقة بإقالة أو استقالة الهمة وما صاحبه من ثرثرة سياسية حول الدور الذي يلعبه هدا الرجل في التهييئ لمرحلة ما بعد العشرية الأولى للتربع على العرش، تأسيسه لحركة لكل الديمقراطيين كواجهة مدنية لينتقل في ظرف قياسي للواجهة السياسية محققا الاكتساح السياسي في أولى مشاركته الإنتخابية مستمدا قوته من المؤسسة الملكية بل متكلما باسمها وعلى أنه الواجهة السياسية في الميدان لتنفيذ توجهاتها ورأيتها السياسية، واليوم يتوارى عن الأنظار أمام تعجب الجميع، كل هدا يجعل من أمالنا في التغيير تقف على عتبة الإنتظارية إلى ما ستؤول اليه الأحداث مستقبلا ،فالخطب والنوايا الحسنة لم تكن يوما أساس التغيير بقدر توفر العزيمة والعمل على تنزيل وبلورة الكلمات الى أفعال وممارسات .
خامسا- تجرنا للحديث عن النخبة السياسية والتي وجدت نفسها اليوم أمام محك اثباث الوجود وهي بالأمس القريب كانت خارح هدا الحراك المجتمعي لتجد نفسها اليوم في صلب الحدث لنطرح السؤال ؟ ألا يمكن الحديث عن إصلاحات تهدف با|لأساس تجديد النخب السياسية وتطهير أوكارها من خيوط الوهن والفساد ؟ أحزاب لم يكن لها دور في هده المسيرة النضالية ـ التي أعتبرها شكلية بمقارنة مطالبها وما استجابت له المؤسسة الملكية ـ سوى أنها تملك الإطار القانوني للحديث باسم مصالحها ،أظن بأن منطق التغيير يفتح لنا المجال لإقتراح الأشكال المناسبة للتعبير عن مطالبنا بشكل يشكل
قوة ضغط لطرح أولويات مطالبنا نحن أصحاب القضية ومطلب التغيير لا هؤلاء السياسويون ، ناهيك عن مدى جاهزية هده الأحزاب لخوض معارك التغيير ومحاربة الفساد ومحاسبة المفسدين بوجوه متآكلة سياسيا وفقدت مصداقيتها شعبيا وينخر عظامها حب السلطة والثروة.؟
ومن هنا جاءت أحقية اختياراتنا للمنهج الذي يقودنا لتحقيق أمالنا في دولة ديمقراطية حديثة تحترم ثوابتها(الإسلام،الملكية، والحدود الترابية) وتطمح في إقرار حرية مسؤولة وضامنة للحقوق وتضرب بأيد من حديد للمقصر في أداء الواجبات.
إنما نعيشه اليوم من صراع ، تطور من صراع الفكر والكلمة التي هي أساس البناء في هده المرحلة إلى منطق القوة من كلا الطرفين(حركة 20 فبراير والسلطة،) ينذر بحساسية المرحلة وما تقتضيه من نضج سياسي وعقلانية فكرية لتطويق تطورات الوضع، و يمكن الحديث هنا عن أخطاء كانت إلى حد ما مساهمة في هدا الوضع ، فبعد خطاب 9مارس لم نرى تحركا ينسجم مع الإرادة الملكية ، يكون بمثابة عربون ضمان لهده الإصلاحات ، وحتى المبادرات التي إتخذت كان بعضها إلى حد ما مؤججا للوضع أكثرما هو ضمانات للمستقبل، فإطلاق سراح المعتقلين السلفيين الذين لم بتبقى لهم سوى أيام معدودات على استكمال مدتهم أشار بأصابع الشك والريبة لهذا السلوك، فهناك تقصير واضح للتحركات الفعلية للدولة لتهييئ الأرضية المناسبة والقاعدة الشعبية المنسجمة مع موجة التغيير،اللهم تلك البرامج الميتة بوجوه سياسية مضيئة بنعمة المخزن وعطاياه على مريديه,
إن ترك الساحة خالية من كل تأطير وتنوير فكري منسجم مع تطلعات الوضع الراهن، ويهيئ للمرحلة القادمة ،لأكبر خطر يهدد الانتقال الذي نناشده ،فهو استهداف وإقصاء لفئات عريضة من المجتمع ، التي لم يكن لها من نسيم التغيير الذي نعايشه غير مشاهد التلفزيون وكلمات العام زين ، التي تبثها شاشاتنا الآثمة,
فنزول أعضاء الحركة للأحياء الشعبية خطوة ننوه بها، فالتغيير يفرض مشاركة كل الفئات حتى لا يكون نضالنا نخبويا،غير أن ما تشهده الساحة من حراك وصراع هو ما نرفضه جملة وتفصيلا، فمن مطالبنا تحقيق الديمقراطية؟ فلابد أن نتمثلها داخليا وأن نشرك الكل في إتخاذ القرارات مثل هذا الأخيرة، التي قد تشوه صورة نضالنا ويدفع بالحركة في طريق خيانة النضال ، فأمامنا الوقت والفرصة لإسترجاع الأمور إلى صوابها وترسيم معالم طريق مشتركة يتأتى للكل ركوب عجلة التغيير،وبذلك نضمن وحدة المشروع والنضال،وهذا ما يتطلب مراجعة جادة للتحركات الأخيرة، وإشراك الجماهير في الاختيارات الهامة، وألا يقتصر نضالنا على النزول في الشوارع والجلوس أمام الحواسيب، بل يتعداه إلى الفعل المباشر والتأطير والتنوير لصناعة الفكرة في عقول الشباب، وبذلك نكون قد وضعنا لبنة في طريق البناء،فخيارنا في المرحلة الراهنة أن نوصل الناس بفكر النضال وأفقه وضوابطه وأخلاقياته، وهي بصماتنا التي أفتقدها مناضلوا الأمس من مشايخ ومريدي الأحزاب،لا أن يكون همنا الأول إيصال فكر التنظيمات والحركات التي تنتهي بانتهاء مصالح أفرادها،إن خيار النزول للأحياء الشعبية أسلوب سيضمن لنا النجاح في هذه الرؤيا، إذا ما حددنا طبيعة هذا الإنزال الذي سيستمد القوة من قوته التنويرية، وذلك من خلال تنظيم لقاءات بدور الشباب والثقافة والتعبئة الجادة لهذه اللقاءات، وإحراج السلطات بتقديم طلبات الترخيص لمثل هذه اللقاءات إلى جانب التنسيق مع جمعيات المجتمع المدني لفتح أبوابها أمام هذه المبادرة، وبالتالي نكون بذلك قد حققنا التواصل المنشود مع فئة مهمة وبعثنا برسائلنا لمن يهمهم الأمر، وخطوة مهمة لإحراج السلطات الوصية في ما تنوي إسقاط الحركة فيه من كونها فوضوية وتعمل خارج القانون،
إن مسلسل الإصلاح الذي نناشده لن يتأتى إلا بالعودة لمنطلقاتنا الأولى التي إجتمعنا حولها ، وهي الانصهار في المشروع ونسيان الإيديولوجيات التي تشكل عائقا أمام حرية الفكر والحركة النضالية الحرة، فمشروعنا لم يكن يوما خارج الإيديولوجيات ، لكن ميزته في انصهارها في مشروع الأمة ، لا أن ينصهر مشروع الأمة في تنظيمات نخبوية سيأتي اليوم الذي ندلي فيه بمواقفنا اتجاهها.
لا نتفق مع الموقف الذي انفردت به بعض عناصر الحركة في اتخاذ خطوة التحدي للمنع، لكن لايمنعنا ذلك من التنديد بالطريقة الهمجية التي تم التعامل بها مع أعضاء الحركة ،في نزولها الأخير، فنحن في مرحلة لابد أن يستوعب الواحد منا الأخر بالمنطق المغربي" الا تقالت عليك خفافت علي" ولا نقبل كذلك السلوك ألا مسؤول الذي قامت به بعض الأحزاب ورجالات السلطة لدفع 50و100 درهم لبعض شباب حي سباتة للتظاهر تنديدا بالوقفة الاحتجاجية زرعا للفتنة في ساحة النضال، كما لا نرفض ما تعرض له بعض الصحفيين من قمع وضرب، ومحاولة استعمال بعضهم لتسليط الضوء على من باعوا أنفسهم مقابل دراهم معدودة ، في سياق أن أهل الحي يتبرؤون من نضال الحركة ، كما يعيب نضالنا يا شباب
20 فبراير الاستفزاز المقصود لبعض عناصر الأمن ، فالحركة في غنى عن الضرب والسجن والتعذيب لإثبات وإقرار مشروعيتها ، ولا نحتاج إلى سكب " الدواء الأحمر" والوقوف أمام عدسات الكاميرات لتأكيد همجية التدخل الأمني وحيوانية بعض عناصره، وصورة المرأة التي أشبعت ضربا أمام أعين ابنها الصغير بدون رحمة ولا شفقة ، وأمام أعين المسؤول الأمني الأول السيد الموزوني ـ الذي أبى إلا مشاركة ودعم عناصره مباشرة ـ خير شاهد على وقاحة التدخل الأمني.
فالمطلوب اليوم أكثر مما سبق المواكبة لكل التحركات السياسية وتنشيط الفكر السياسي من خلال اللقاءات والندوات والخروج من المجال الافتراضي الى الواقع والقيام بدور التعبئة و التواصل مع المواطنين بما يخلق جوا من الحراك المجتمعي مع كل الأطياف والفئات ،وتجنب المعارك الجانبية فمهمتنا أسمى وأكبر من الوقوف أمام شرطي لا حول له ولا قوة ومحاولة استفزازه .
