رشيد أخريبيش
في حوار مع زميل عزيز حول الأوضاع السياسة بالمغرب وحول الأحزاب السياسية التي لم تعد تلعب سوى دور الكومبارس في الحياة السياسية المغربية بقيت في ذهني قولة مشهورة كنت قد سمعتها من ذي قبل لكن أعادها الزميل الكريم على مسامعي، مفادها أن السياسة ما إن تدخلت في شيء إلا أفسدته ، فوجدت الوقت مناسبا لأن نعيد فيها النظر خاصة وأنها تبعدنا بلا شك عن معنى السياسة الحقيقي .
من الأشياء التي تم ترسيخها في ذهن المواطن المغربي على مر عقود ،هو أن السياسة رجس وأنها عمل لا يصلح إلا لمن تعود الخيانة والدجل ، حيث تكونت لدى المواطن المغربي أفكار خاطئة بالجملة عن السياسة ،ولعل ذلك راجع بالأساس إلى بعض الساسة المغاربة الذين يمارسون السياسة من أجل تحقيق مصالح شخصية ضيقة وآنية والخروج بالسياسة عن أهدافها الأساسية، فأصبح مصطلح السياسة عند هؤلاء يعني الصراع على النفوذ من أجل المكاسب المادية والمعنوية ، فولد بذلك لدى المغاربة ما يمكن أن نسميه بفوبيا السياسة .
نحن نتفهم شعور المغاربة ممن يتخذون مواقف سلبية من السياسة، ونعرف قصص هؤلاء مع من استعبدهم على مر عقود من الزمن باسم ممارسة العمل السياسي، عبر أحزاب تعودت الدجل واللعب بمشاعر المواطنين، الذين صدقوا على الدوام فكرة التغيير التي جاء بها هؤلاء الأشخاص، الذين أظهرت الأيام عوراتهم ، لكن هذا لا يعني أن يقطع المغاربة مع السياسة نهائيا ويفتحوا المجال للمفسدين للسباحة لوحدهم، والعمل على قبول نفس المسرحيات بحجة أن السياسة نجاسة وأنها مكر وخداع ، فإذا كان المغاربة قد تكبدوا الويلات مع السياسة فإن ذلك لا يعني أن السياسة مرتبطة بالسوء في مجملها، وإنما الخلل يكمن في من يمارسون السياسة والذين يحرفونها عن مواضعها وعن غرضها الحقيقي الذي من أجله تم الاهتداء إلى السياسة، باعتبارها أسمى النشاطات التي من خلالها يحقق الإنسان ذاته ويرتقي بمصالحه إلى ما هو أفضل.
على مر التاريخ السياسي فالأحزاب السياسة المغربية انحرفت عن دورها الحقيقي و تحولت من أحزاب من المفروض أن تمارس السياسة و تلعب دورها المتمثل في المساهمة الفعالة في بناء الوطن، والعمل على إرساء مبادئ الديمقراطية والعدالة ،إلى أحزاب ممخزنة أساسها المصالح الشخصية لا أقل ولا أكثر، سعت إلى تفتيت المجتمع وتمزيقه والرجوع بالمغرب إلى الوراء لعقود من الزمن ومن ثم تولدت لدى المغاربة مفاهيم خاطئة تنبذ السياسة في اعتقاد منهم أن السياسة هي سبب كل النوائب التي حلت بالمغرب ، في حين أن المشكل يكمن في من فتح المغاربة أعينهم عليه في الحقل السياسي، والذين حولوا الأحزاب إلى مقاولات سياسية أساسها البحث عن الأطماع ، فأصبحنا نجد قادة الأحزاب يتشبثون بالمناصب إلى أجل غير مسمى، أو يفضلون توريثها لأبنائهم في خطوة منهم لاستكمال مسلسل البحث عن المصالح باسم ممارسة السياسة، وهذا ما لا حظناه في جل الأحزاب السياسية التي تسبح في فلك المخزن والتي لا تخطو خطوة إلا باستشارته .
المغاربة الآن مطالبون أكثر من أي وقت مضى أن يكشفوا عن الوجه القبيح لهذه الأحزاب التي مارست السياسة من منطلق الحصول على مآرب شخصية والذين جعلوا السياسة عرضة لاتهامات من طرف جل المغاربة الذين اعتزلوا السياسة وغابوا عن الأنظار وتركوا الكرة في ملعب التماسيح والعفاريت لتلعب ألاعيبها المعتادة كما تشاء وتعيد اسطواناتها على مسامع الشعب المغربي الذي مل منها منذ زمن بعيد .
المشكل الأساسي والذي يقف عائقا أمام الديمقراطية التي نطمح إليها، لا يكمن في السياسة كلعبة في حد ذاتها إنما المشكل يكمن في أولئك الذين يحاولون ارتداء عباءة السياسة زورا ، والذين قدموا للمغاربة صورة قدحية عن السياسة التي هي في الحقيقة فن يتم من خلاله الارتقاء بالمجتمعات إلى الأفضل والمساهمة في بناء البلدان .
