اسماعيل الحلوتي
بعد حصاد السنين العجاف، التي راكمنا خلالها أكواما من خيبات الأمل والانكسارات، في شتى الأصعدة ومختلف المستويات، إخفاقات صارخة في السياسات العمومية، وهزائم نكراء في الاستحقاقات الرياضية، الإفريقية منها والدولية، مبالغ باهظة من أموال الشعب صرفت على الانتخابات والتظاهرات، ولم نجن من ورائها غير حسرات الفشل وآلام السقطات، غابت أشعة الفرح وخيمت غيوم الترح، حتى كدنا نفقد انتماءنا إلى هذا الوطن المثخن بجراحات اليأس والإحباط، وفي زحمة هذه الضربات الموجعة، بدا البلد خائر القوى يداري أحزانه، وبمساحيق محلية تأهب لاستقبال بطولة كأس العالم للأندية، التي حظي بشرف تنظيمها بين مدينتي: أكادير، عاصمة سوس العالمة، ومراكش جوهرة الجنوب الحالمة...
ومن غرائب الصدف شاءت الظروف القاسية، أن تمثلنا الرجاء في هذه التظاهرة العالمية. على القلوب وضعت الأيدي وتساءل الجمهور الواسع بحرقة، ترى كيف لنسور قص الدكاليون أجنحتها في مناسبتين متتاليتين وغير متباعدتين، في نهاية كأس العرش لسنة 2013، وذهاب دوري البطولة، أن تحلق دون سند بعيدا عن موطنها بالبيضاء، أمام أبطال دوريات دولية ؟ وكيف لها استخراج مخالبها دفاعا عن النفس، بعدما تمت إقالة مروضها "الجنرال" امحمد فاخر قبل انطلاق هذا الاستحقاق الرياضي الفريد؟ قلة هم من ظلوا متشبثين بقدرة الخضراء على تحويل الوهم إلى حقيقة والمستحيل إلى ممكن، وأنها في جميع الحالات ومهما كلفها الأمر من جهد وعناء لن تخرج خاوية الوفاض، وعلى رأسهم الرئيس الشاب محمد بودريقة، إنهم فئة من الذين يؤمنون حد العمى أن الأمل يولد من رحم الألم، وأن شروق الشمس لا تمنعه الغيوم الكثيفة، ودونما العودة إلى نكء الجراح والخوض في تفاصيل الماضي المظلم، جاء المدير التقني السيد: فوزي البنزرتي من تونس الخضراء (أربعة أيام قبل انطلاق البطولة العالمية)، تقوده نظرة تفاؤلية في تحمل المسؤولية، متسلحا بصلابة العزيمة وقوة الشكيمة، لم يتذرع بالجنون ولا الدجالين، ليجد في انتظاره فتية من خيرة اللاعبين مغاربة وأفارقة، كلهم اندفاع وحماس، ليس لهم مشاريع وهمية ولا يحملون حقائب حكومية، دعمهم الكبير الحناجر الشعبية، وسلاحهم "الفتاك" الثقة بالنفس وأقدامهم السحرية، فعرف كيف يستثمر مخزونهم المهاري والبدني، وانكب على تعزيز المكتسبات الفنية، خلق الانسجام والقدرة على التنافس، تطوير الأداء الجماعي وإنعاش الملكات الذهنية...
انطلقت المنازلة الأولى تحبس أنفاس المغاربة وتشد أنظار الجمهور الرياضي العالمي، وبين حالم وصاح، اختلط الواقع بالخيال، وجرت أطوار المقابلة في أجواء بديعة، تؤثثها مداعبة المستديرة بلمسات بلسمية، وتتفاعل مع إيقاعاتها أهازيج الروح الوطنية، بمهارات فردية وجماعية، أزاح الأولاد عن عيوننا الظلمة، ورفعوا عن قلوبنا الغمة، وبرغبتهم الجامحة في إحراز الفوز، شلوا حركات الفريق المنافس وخربوا مخططاته، تحولت الأرجل إلى ريشات إبداعية ورسمت لوحات فنية، تألقت النسور في سماء أكادير بعدما انقضت على أوكلاند سيتي النيوزيلندي: 2_1 ورمت بأحذيته في الغدير....
أما في دور ربع النهائي، وبنفس المدينة السياحية أكادير، التي كانت طالع يمن وبركة على الأمتين العربية والإسلامية، وجسدت فأل خير للجماهير الرجاوية والبلدان الإفريقية، فقد استقبل النسور من جديد خصم فريد، يقال إنه من بلاد المكسيك، حكوا عن ألقابه الكثير وخوفوا بعمالقته الكبير قبل الصغير، لكن إصرار الفتيان على إعادة نفس الإنجاز الأول، كان أقوى من أن تنال منه الأقاويل وتحد منه الأباطيل، عاهدوا الله ومناصريهم على نسج خيوط السعادة والانتشاء، وتعاهدوا فيما بينهم على إعادة أمجاد الكرة الوطنية إلى الأذهان، ومجابهة اليأس وطرد الأشجان، وبهمة الأشاوس والشجعان نزل الرجال إلى الميدان، هناك تلاحمت الأفكار وحيكت الجمل التكتيكية، وفي جو من التناغم انخرط الجميع في سيمفونية رائعة بعنوان "النصر المبين" أطربت العالم بأسره، وجاءت النتيجة مشابهة للأولى بفارق الأشواط الإضافية، الرجاء العالمي: 2 ومونتيري المكسيكي: 1 ...
ها هي القلعة الخضراء، يعاد بناؤها في المدينة الحمراء، أرض البهجة والنخيل، ترى هل تكون حرارتها بردا وسلاما على نسورنا لتحلق مرة ثالثة في العلياء؟ إنها المقابلة الحاسمة في دور نصف النهاية، أمام سحرة الفريق البرازيلي أتلتيكو مينيرو بطل"كوبا ليبيرتادوريس" بقيادة المارد "رونالدينيو"، لا أحد تنبأ بالفوز على فريق من هذا الحجم عدا اللاعبين، الذين وثقوا في إمكاناتهم وأبوا إلا أن يكذبوا كل التكهنات مهما كان ثقل المقابلة، ويصنعوا ملحمة رجاوية في تاريخ الكرة المغربية، لتأتي الصفعة قوية على خدود عناصر الكتيبة البرازيلية: 3_1....
وعلى الرغم مما استنزفته المقابلات الثلاث الماضية من جهد، وما عرفته أشواطها من صمود واستماتة، أبان خلالها الخضر على علو كعبهم، واختير فيها من بينهم الأفضل: متولي، العسكري وياجور، وأعادوا الثقة الكاملة لجماهيرهم، وبعدما اكتسبوا من الخبرة ما يؤهلهم للمزيد من الاطمئنان، وبحضور جلالة الملك دخل النسور مرة أخيرة بدون مركب نقص، يحدوهم الأمل في جعل عرس نهاية مونديال الأندية، خير ختام ل "الربيع الكروي" ، قاتلوا ضد بطل أوربا الآلة الألمانية: بايرن ميونيخ، واقتتلوا وخرجوا رافعين رؤوسهم بهزيمة: 2 _ 0، التي لم تفسد للمعزوفة الخضراء نغماتها...
بطولة العالم للأندية، فرصة ثمينة وهائلة لمراجعة السياسات القائمة وإجلاء السحب الغائمة، جاءت لتكشف حقائق عدة ولتبطل مزاعم السماسرة والأفاقين، أولئك الذين يفضلون مآربهم الذاتية على المصالح الوطنية، بحثا عن الثراء الفاحش والاتجار في اللاعبين، على حساب الفرق الرياضية والجماهير الشعبية، هاهم أبناء الرجاء يظهرون للعالم أجمع أن المغرب لا تنقصه المواهب الرياضية، وأن الخلل في التسيير وغياب الإرادة السياسية، بفنياتهم العالية أبهروا الجماهير وبعرقهم الطاهر سطروا أروع الملاحم، بمداد الفخر خلدوا أبدع الانتصارات، وأسعدوا القلوب المنكسرة، التي حطمها الظلم والقهر، موت الضمائر وغياب الحكامة الرشيدة... هنيئا لنا بفريقنا الكبير بجميع مكوناته، لعب وأجاد، انضبط فأفاد واستفاد، وحد أفراد الشعب ، تكتل وتوحد لإعطاء دروس بليغة في التضامن والتماسك وفي خلق الفرجة وصنع البهجة، وهنيئا للجماهير المغربية والرجاوية بالخصوص، التي أعطت الكثير من العبر بتضحياتها الجسام، حين استسهلت الغالي والنفيس لمساندة النسور في طيرانها ب "تيفواتها" البديعة، وهنيئا أيضا لكل من ساهم في إنجاح هذه التظاهرة الدولية... فليحفظ الله أقدامنا الذهبية، ولتحيى رجاء الشعب الوفية، وكل "موندياليتو" والشعب المغربي الحر والأبي بألف خير...
