توفيق بوعشرين
كان منتظرا، ولهذا لم يفاجئ خبر وصوله إلى أعلى منصب في تنظيم القاعدة أحد. إنه الطبيب المصري أيمن الظواهري، الذي أطفأ هذه السنة في إحدى مغارات أفغانستان أو باكستان شمعته الستين...
كان منتظرا، ولهذا لم يفاجئ خبر وصوله إلى أعلى منصب في تنظيم القاعدة أحد. إنه الطبيب المصري أيمن الظواهري، الذي أطفأ هذه السنة في إحدى مغارات أفغانستان أو باكستان شمعته الستين... كان دائما يجلس على يمين أسامة بن لادن وفي يده رشاش كلاشنيكوف، وكان يظهر في أكثر من خطاب على أنه أكثر تشددا من أسامة بن لادن، وأكثر عنادا وشراسة لأنه قادم من مدرسة جهادية عنيفة ولدت في زنازين جمال عبد الناصر ومن بعده أنور السادات الذي لقي حتفه على يد الجماعة الإسلامية التي دخل إلى صفوفها الشاب أيمن وعمره 24 سنة قبل عام واحد من حفل تخرجه طبيبا في الكلية...
ماذا سيتغير في ملامح القاعدة واستراتيجيتها بعد وصول أيمن الظاهري إلى قيادتها؟ هذا ما يشغل العقول الأمنية والسياسية والاستراتيجية اليوم وغدا في أوربا وأمريكا ودول أخرى، لكن وقبل أن يجدوا الجواب عن هذا السؤال المعقد، فهم يُجمعون اليوم على أن الظواهري سيسعى إلى وضع بصماته فوق مقود التنظيم الأشهر في العالم، وسيسعى إلى بث الرعب في القلوب عن طريق عملية كبيرة ستكون بمثابة ميلاده الثاني، أو طابعه الخاص على التنظيم الذي ضعف كثيرا منذ «غزوة مانهاتن» في شتنبر 2001، لكنه مع ذلك نجح في البقاء حيا وفاعلا وحاضرا في أكثر من مكان، وذلك بفضل «الطابع الفضفاض» والمرن لتنظيم القاعدة، والذي يشبه إلى حد كبير شركة عالمية متعددة الجنسيات، لها وكلاء حول العالم، وكل وكيل يتمتع باستقلاليته المالية والإدارية والتسويقية، أما علاقته بالمركز فتنحصر في حمل العلامة التجارية، ودفع مقابل لهذه العلامة، أما الباقي، فإن الفروع حرة إلى حد كبير في عملها وسياستها...
ابن لادن والظواهري استوردا أحدث تقنيات «الإدارة الحديثة»، وهذا سر قوة التنظيم السلفي الأخطر في العالم.
يعرف المتخصصون في شؤون القاعدة أن هناك خلافا قديما بين الظواهري وابن لادن. الأول كان يرى أن الأولوية في الجهاد اليوم هي قتال العدو القريب (الأنظمة العربية، والتيارات العلمانية والليبرالية، وحتى الإسلامية المعتدلة التي تؤمن بالديمقراطية والتعددية الحزبية)، لماذا يا دكتور؟ لأن هؤلاء جميعا مرتدون عن الإسلام، ولأن المرتد أخطر على بيضة الإسلام من المسيحي أو اليهودي، والدليل أن الإسلام أباح للمسلم أن يتزوج بالمسيحية وأن يرث اليهودية، لكن حرم عليه أن يتزوج بالمرتدة أو يرث منها، أو يقبل دفنها في مقابر المسلمين.
أما أسامة، فكان يرى أن الأولوية الآن هي جهاد البعيد، وفي مقدمة هذا البعيد أمريكا وأوربا، لأنهما معا من يحميان الأنظمة العربية «الكافرة»، وهما سبب قوة هذه الأنظمة.
الآن الظواهري، المعروف بقوة تنظيره منذ صدور كتابه «الحصاد المر»، ربما يرجع إلى أطروحة «العدو القريب»، وهذا سيقوي ويدعم فروع التنظيم في العراق (دولة العراق الإسلامية)، وفي السعودية (القاعدة في بلاد العرب)، واليمن (قاعدة اليمن)، والصومال (حركة شباب المجاهدين)، ولبيبا (الجماعة اللبيبة المقاتلة)، ثم المغرب العربي (القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي)، هذه الأخيرة التي تتوفر على خلايا نائمة وأخرى مستيقظة في المغرب، آخرها خلية العثماني الذي فجر مقهى أركانة بأعصاب هادئة بعد أن تناول عصير الليمون وفي يده قيثارة للتمويه.
