بوسلهام عميمر
في البداية لا يسع أي مواطن عربي إلا أن يحيي الشباب العربي، "العربي" مجازا فقط، وإلا فالثورات ينهض بها الجميع عربي وغير عربي، مسلم ومسيحي...فالظلم واحد يطال الجميع، لا يميز بين ساكنة الشمال ولا ساكنة الجنوب، ولا بين عربي وأمازيغي، ولا بين هذا وذاك.
فتغيير مجرى التاريخ، أي تاريخ، ليس بالأمر الهين يتأتى لأي كان، بقدر ما يقوم به أولو العزم من الرسل وأصحاب الهمم العالية من الشباب على الخصوص.
وبما أننا لسنا استثناء بين الشعوب العربية، فقد تحرك شبابنا الذي نفخر بحركته الاحتجاجية السلمية الحضارية. يكفيها فخرا ما أحدثته من حراك سياسي وإعلامي هام. وإن كان دائما مع كل حركة، تجد بعض المشوشات تدخل على الخط، من هذا الطرف أو ذاك وأحيانا من داخلها، لتمييعها بطريقة أو بأخرى، للزج بها في دروب غير ما أراده لها أصحابها الحقيقيون، محاولة منهم للإجهاز عليها بحد القانون، بدعوى مكافحة الشغب، بما أن لهيبها يشب في تلابيبهم، ويهدد مصالحهم، وهم الذين درجوا على الاستئثار بخيرات الوطن هم وذويهم دون غيرهم.
فهل يسمح شبابنا المبارك، ويتسع صدره لبعض الملاحظات، ولو من باب الاستئناس، لربما يجد فيها، ما يغذي بها ثورته التاريخية. نبسطها كالتالي:
_ حسب اعتقادي المتواضع، فالرسالة وصلت لمن يهمه الأمر، في جزء غير يسير منها. وكانت الاستجابة فورية، للعديد من المطالب، تجاوزت سقف طموحات جل الأحزاب، التي لطالما طالبت بتعديل الدستور، دون الاقتراب من بعض البنود لما تتسم به من حساسية.
من نافلة القول الإشارة إلى أن الاستجابة بالنسبة للمطالب الشبابية والشعبية عموما، لم تكن مائة في المائة، ولكن يمكن القول، أنه لو تم تفعيل ما تمت الإشارة إليه، ويتداول بشأنه، فحتما سنصل للبقية. ولا أظنه إلا كذلك. فالوضع اليوم كما يعرف الجميع غير الأمس، يختلف كثيرا. و لم يعد يحتمل التسويف والمماطلة لربح الوقت، إذ لم تعد الأقوال تغني بتاتاعن الأفعال.
_فهل ضرورة أن نسعى لتحقيق مطالبنا، بنفس الوسائل المعتمدة، لدى الشعوب الأخرى؟
فبما أنه لا أحد ينكر خصوصية كل بلد عربي على حدة، وإن كانت كلها تحت مظلة العروبة والإسلام الخيط الرابط بين مكونات هذه الشعوب العرقية واللغوية. ومن تم ينصهر الجميع في بوتقة الوطنية. و إذا كان التغيير آت لا محالة، فلم لا ننحث طريقتنا الخاصة في إنجازه مستفيدين ممن سبقنا إيجابا وسلبا.
فنكون ساهمنا بحق في حقن دماء الشباب الغالية. وفي نفس الوقت حققنا مطالبنا المشروعة بكل المقاييس؟
_ لا أحد يجادل في امتلاك الشباب العربي اليوم زمام مبادرة التغيير، فلم لا تتولى نخبه بشكل متواز مع الاحتجاجات السلمية، تأسيس مشروع تغييري واضح المعالم، بوضع اليد في اليد مع الشرفاء في الأحزاب والنقابات والصحافة النزيهة وهيئات المجتمع المدني بكل أطيافه، ممن لم تتلطخ أيديهم بنهب المال العام، وممن لم يتاجروا بحقوق البسطاء، حتى يتم تجاوز الخطاب العدمي، الذي يعتبر أن ليس في القنافذ أملس؟
_أعتقد أنه أية حركة تغييرية وخاصة وهي في بداية مشوارها التغييري ليس في مصلحتها تبني بعض الطروحات الإقصائية والتهديد المبطن، لأنه لن يخدم بتاتا قضيتها الكبرى، من قبيل منطق" البيضة والديك" الذي تهدر في خندقه الطاقات وتضيع الأوقات حول من كان له قصب السبق في الدعوة إلى التحرك، بهدف تحفيظ الثورة باسمه. ومن قبيل "منطق القاطرة والعربات" فتتم المزايدة حول من له الحق في احتلال المقدمة والريادة دون غيره، بمبرر حجم المشاركة أو التاريخ النضالي وما شابه، والاتهام المجاني بالركوب على الثورة وكأننا "قطعنا الواد ونشفو رجلينا".
فلم لا يكون الهاجس الأساس، هو التحاق كافة القوى المجتمعية بمركبة التغيير، و طبعا بتعديل وجهة البوصلة بمطالب واقعية تسمح لكل القوى بالمساهمة في تنزيلها بعيدا عن منطق لي الدراع. ولن يتم ذلك بدون تذويب كل الشعارات الملونة بألوان مخصوصة، لتفويت الفرصة على أعداء مطالب الشعب المشروعة؟
_فلم لا يتم التغيير من الأساس على المستوى المحلي ثم الجهوي ثم الوطني؟
و إن كان بخصوص هذه الملاحظة بدأنا نعيش بعض مظاهرها من خلال وقفات و مسيرات في جملة من المدن عبر التراب الوطني. تقوم بها تنسيقيات محلية تضم كل الأطياف الفاعلة.
فالأمل معقود بعد الله تعالى على التنسيقيات الواقعية، لتتولى زمام المبادرة بعدما لم تنفع الكتابات والتقارير الصحفية، حتى داخل اليأس عدد من الأقلام الجادة وصل بها الأمر لتردد "لمن تعاود زابورك". تكون هذه التنسيقيات بمتابة العين الساهرة على الشأن المحلي برمته، مجالس منتخبة كانت أو سلطات وصية وعلى كافة المؤسسات العمومية والمحاكم وكل المرافق الحساسة. وطبعا عيون واعية عليمة وقانونية ومطلعة حتى تكون المتابعة جدية وذات مفعول قوي، بالتنسيق مع الصحافة الحرة و الملتزمة بقدسية الخبر.
متابعة لا تقف عند تسجيل الخروقات و رصد الاختلالات فحسب، وإنما السهر على كشفها و ملازمتها حتى يتم تصحيحها. وإذا ما تبين الإصرار والتلاعب في معالجتها، يتم أشهارها في المواقع الاكترونية وعلى صفحات الجرائد، لتأتي خطوات الشارع أمام المؤسسات المعنية بالأمر. وإذا تم التمادي الإنزال الجهوي. وآخر الدواء الكي، الإنزال على الصعيد الوطني.
أعتقد بهكذا عمل لن يتقدم لتمثيل المواطن في الانتخابات غير من يريد الإصلاح قولا وفعلا. أما سماسرة الانتخابات والوصوليون والانتهازيون، لا أظن أنهم سيتقاتلون من أجل الوصول إلى الرئاسة أو العمودية وهم يعرفون أن العيون العليمة تترصد خطواتهم، في حلهم وترحالهم. ولا أعتقد أن مسؤولا أمنييا أو قضائيا قبل أن يقدم على أمر ما حتى يحسب له ألف حساب. فهو يعرف أنه سينكشف على رؤوس الأشهاد، إن هو فرط أو استعمل الشطط.
أجل سيشعر المواطن البسيط أن ظهره محمي، وأنه لم يعد وحده كما كان سابقا. ومن تم لن يرهبه أحد في أية إدارة مهما علا شأن رئيسها.
بكل تأكيد لو استطاع شبابنا تنظيم هذه التنسيقيات وتقويتها، لوفرت على المواطنين البسطاء الشيء الكثير، بما أنها ستكون رهن إشارتهم في أحيائهم وفي مدنهم وفي قراهم.
تشمل مراقبتها لكل ما يمس حياة المواطنين من المال العام إلى سماسرة الانتخابات والتصدي لهم و لبارونات الاحتكار والمطارح والتلوث وتجار الدواء ومقالع الرمال ولوبيات العقار وطرق التشغيل..
