الأستاذ : الصادق بنعلال
1 - نحو تغيير " ناعم " : نصدر في مقالاتنا المرتبطة بالحراك الشعبي العربي الراهن ، عن افتراض مبدئي مفاده أن التغيير العميق في نسقنا السياسي و الثقافي و السوسيو اقتصادي ممكن ، دون المرور عبر بوابة العنف الدموي و التقتيل الجماعي و هدم المعبد على الجميع ، كما هو ملاحظ الآن في عدد غير قليل من " الأنظمة " العربية "الصامدة " في وجه مطالب الشباب في الحرية و الكرامة و المساواة .. و أنه ليس قدرا علينا ، نحن الشعوب العربية ، أن ننتقل إلى مرحلة النظام الديمقراطي من خلال الدمار الداخلي الشامل . غير أن ذلك يستدعي حزمة من الإجراءات ذات الصلة بنيل الثقة بين الدولة و المواطن ، إجراءات تقطع مع المسلكيات السياسوية البائدة . و أخال أن النموذج المغربي في التغيير و الإصلاح يمكن أن يكون ناجعا بالنسبة للدول و المجتمعات العربية المحرومة من نعيم الديمقراطية بحصر المعنى . أقول هذا بعيدا عن أي زهو مجاني طفولي بانتمائي المغربي ، أو رغبة في توقيع شيك على بياض لأي كان . و إنما لما استنتجناه طيلة خمسة شهور من المسيرات و الاحتجاجات الشعبية ممثلة في شباب حركة 20 فبراير الأصيلة ، و التي خرجت للمطالبة بما يتوق إليه الشعب من إسقاط للفساد و الاستبداد ، و وضع حد لكل الممارسات السياسية التقليدية المستهجنة ، و الاستجابة الفورية لهكذا مطالب من قبل السلطات العليا للبلد .. ممال يعكس نوعا من الحوار الحضاري بين الشعب و أصحاب القرار، حيث تم تفادي انتهاج مسلك " الجمهوريات العربية الخالدة " في " التصدي و الممانعة " .
2 - الإصلاح السياسي المنشود : إن التغيير الذي نتطلع إليه في المغرب و باقي الدول العربية لا يتحدد في إسقاط زعيم دولة و ترك البلاد و العباد في الجحيم ، بقدر ما نروم استنبات قيم ثقافية و سياسية جديدة و زرع مفاهيم و مبادئ حديثة ، تمهد لأي تحول هيكلي فعال و مثمر ، و يدرك الخبراء و المراقبون المحايدون أن ما حصل في تونس و مصر، كمثال ، ليس إسقاطا للنظام كنسق سياسي نوعي و منظومة من العناصر المتداخلة و الفاعلة ، و إنما هو إسقاط رئيسين دكتاتوريين اشتهرا بالفساد والقمع البوليسي و نهب خيرات الوطن .. في حين نلاحظ أن تعاطي الرجال " الجدد " مع الواقع الملموس في هاتين الدولتين يتوسل بنفس آليات الخداع و المناورة و ميكانيزمات التحايل ، و يمكن القول إن الإصلاح السياسي الحقيقي و المنشود لا يتأتى عبر الخرجات الإعلامية " الثوروية " و الاندفاعات العاطفية النزقة ، و إنما من خلال قراءة هادئة و متأنية للواقع المجتمعي و السياق الإقليمي و الدولي ، و نضال شعبي شرس و مسؤول ، لأن الأمر جلل ، وعلى أصحاب القرار أن يدركوا أن الشعوب العربية و صلت سن الرشد و الوعي و الإدراك ، وأنها لم تعد تصدق خطابات التسويف و التأجيل و الحياة في سياق المؤقت الدائم . إن الشاب العربي لن يقبل عن الديمقراطية بديلا . و انطلاقا مما سبق يمكن أن نستنتج دون عناء أن المطلوب الهنا و الآن هو : ثقافة متجددة تبني جسورا نحو نظام سياسي ديمقراطي تشاركي ، و مقاربة اقتصادية حديثة تقطع مع اقتصاد الريع و الامتيازات و المحسوبية و الزبونية ، و ترنو إلى المبادرة الحرة و اقتصاد السوق المعقلن و الشفافية ، و نشر قيم اجتماعية و معرفية تنسجم و مستلزمات الحداثة و القرن الواحد و العشرين .
3 - إجراءات لا بد منها : لقد خطا المغرب عموما خطوات سليمة ؛ فمن تعديل للدستور إلى الاستعداد للانتخابات التشريعية ، التي ستنبثق عنها أول حكومة مغربية مسؤولة ، و قبل ذلك إنشاء مؤسسات اجتماعية و اقتصادية و سياسية هامة ، و العفو عن سجناء الرأي ..، مع الأخذ بعين الاعتبار أجرأة مضامين الدستور و تفعيله و ترجمته على أرض الواقع ، بيد أن الأهم هو أن تمر الانتخابات المقبلة في مناخ ديمقراطي مطبوع بالمصداقية و الشفافية ، و الضمانة الوحيدة لذلك ؛ الإرادة السياسية الصادقة ، و انخراط الدولة بحسن نية في محاربة مظاهر الفساد الانتخابي ، من قبيل إعداد نظام اقتراع إجرائي و منصف لا يستغل بسهولة من قبل أصحاب المال غير المشروع ، و تقديم قانون جديد للأحزاب يضاهي القوانين الدولية ، و التزام الدولة أيضا ، الحياد الإيجابي و تجنب التخندق وراء حزب أو تجمع سياسي معين .. أما الأحزاب السياسية و ما أكثرها فهي مطالبة أكثر من أي وقت مضى أ ن تجتهد في إعداد البرامج المجتمعية الدقيقة و المفصلة و أن تدخل غمار المنافسة في أسلوب حضاري يستهدف عقل الناخب المغربي و ليس معدته ، و على الإعلام العمومي أن يكون في الموعد ، و أن يساهم في دمقرطة التدخلات الحزبية و التعريف ببرامجها بشكل أرقى مما اعتدنا عليه في التجارب السالفة سيئة الذكر . و عليه ، هل سيتمكن المغرب من تجاوز هذه اللحظة التاريخية المفصلية بأمان ، و يحقق انتقالا ديمقراطيا سلميا ؛ يقوم دليلا على أن العرب يمكن أن يتفادوا الحل الدموي في معالجة قضاياهم المصيرية ! ؟
باحث في قضايا الفكر و السياسة
