الحسن بنونة
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء و المرسلين
يتخذ الإنسان القرار ليحقق أمراً ما ، أو لينجو من مشكلة تواجهه ،وهذه القرارات قد تكون قرارات مصيرية تؤثر في حياة الشخص أو الأسرة ، و في المجتمع إذا كانت قرارات تشريعية أو تنفيذية من طرف حكومات أو جمعيات مدنية أو برلمانات .
ففي كثير من الأحيان يتردد الإنسان على اتخاذ قرار ما ، وذلك راجع حسب أهمية القرار ، إنما هناك ممنوعات لاتخاذ القرار فيها ، فمثلا الانتحار ، هذا ممنوع منعا مطلقا في القوانين الوضعية و مشجوب، ومحرم تحريما قطعيا في الإسلام و في كل المعتقدات الأخرى، ولو أن هناك من أعطى الحق للمريض المتألم بمرض مزمن بأن يتخذ القرار في طلب الطبيب ليحقنه بحقنة ليضع حدا لحياته ، لكن جل الجمعيات الحقوقية والمعتقدات الدنيوية لم ترض عن هذا وخرجت مظاهرات صاخبة في كثير من الدول تشجب قتل النفس . و هناك ممنوع آخر وهو الإجهاض بدون سبب ، حرام بالنص وبإجماع العلماء إلاّ إذا كان هناك ضرر سيؤذي الأم . إنما بعض الدول الغربية تبقى بين تقنينه و منعه حسب الحكومات المتعاقبة على حكم البلد ، فحق الحياة لا يمكن لأحد أن يتدخل فيه إلاّ الخالق سبحانه الذي أعطى للكائنات روحا تحيى بها ، فلله ما أعطى و هو الواحد الوحيد الذي يأمر بأخذ ما أعطى . أما القرارات المباحة فمنها الذي يراه الشخص أنه نافع لا محالة فلا تجد ترددا فيه منه ، وإن كان القرار له جانب إيجابي وآخر سلبي فهو يميل إلى ما هو إيجابي أكثر مما هو سلبي وهذا طبيعي ، و هناك قرارات عدة يبقى متخذوها بين الأخذ والرد حسب ما يراه من منفعة ستعود عليه أو دفع مضرة عليه أو يوازن بين ضررين ، و ينصاع لأقلهما ضررا ، إنما هناك قرارات يبقى الإنسان حائرا بين إيجابيتها وسلبياتها ، فمثلا قرار الهجرة الغير الشرعية وكيفتها ، فالمهاجر قبل أن يتخذ القرار يعلم جيدا أن هناك مخاطر الموت أو القبض عليه وسجنه أو إعادته لبلده ،ثم إن استطاع المرور لبلد ما فما هي الصعوبات و العواقب التي ستواجهه حتى يجد عملا مناسبا مثلا أو لا يجد . فاتخاذ القرار هنا يبقى صعب جدا ، وهناك قرار آخر أصعب من هذا وهو قرار الطلاق وخاصة إذا كان بين الزوجين مدة طويلة من العشرة وأبناء . قرار مرٌّ لا محالة ، إنما الزوج عليه أن يختار بين عدم الطلاق والعيش في بيت يملأه البغض و الكراهية و النشوز – وهذا من الزوج أو الزوجة – و أحدهما أو كلاهما يرى أن العشرة السوية قد انتهت و إذا ما بقي الحال على ما هو عليه فربما يصل بهم هذا إلى ما لا يحمد عقباه . لذا فاتخاذ القرار في الوقت المناسب بالطلاق ربما يكون أرحم من تأجيله . وهو في الختام أبغض الحلال عند الله ، و لكنه حلال .
و هناك قرار آخر لا يَقل صعوبة في اتخاذه ، فمن يعمل في حرام منصوص عليه في الكتاب والسنة ، كمن يعمل في الخمر أو في تعليب لحم الخنزير أو بيعهما فهذا لا تفكير ولا تأجيل فيه والخروج من هذا العمل ضرورة ملحة، وإن لم يفعل فمطعمه حرام و أجره من حرام ، لكن من يعمل في عمل لم ينصّ القرآن والسنة على تحريمه ، ثم تبين للعلماء أن هذا من الضرر و أجمعوا بتحريمه ،فيقول بعض العلماء في هذا :على الشخص المعني أن يرضى بما نطق به العلماء من تحريم ، ثم عليه أن لا ترضى نفسه على عمله الذي يزاوله و هو في البحث الدائم على عمل آخر يغير به مجرى حياته و معاشه .فاتخاذ القرار بالخروج من العمل دون إيجاد عمل آخر ربما له مضرة أكبر حيث سيجد نفسه بدون أجر وبدون عمل وتبقى أسرته في احتياج ضروريات العيش .وفي هذا لابد من مشاورة العلماء حتى يتبين للإنسان فحوى المخالفة الشرعية من عدمها أو الترخيص له في البقاء في عمله حتى يجد عملا آخر و الله أعلم .
هذه مجرد أمثلة وهناك أمثلة أخرى يعيشها الكثير من الناس ، إنما يبقى اتخاذ القرار صعب جدا لما سينتج بعده ، وهو ضروري في وقته و لا يمكن تأخيره لأن التأخير ربما يعطي نتيجة عكسية لما كان يريده الشخص ، و يصبح الإنسان معاتبا لنفسه غير راض على ما فرط من الفرص بعدما تتفاقم المشاكل به وعليه و على الآخرين من حوله.
فالنجاح والفشل في الحياة مرتبط باتخاذ القرارات التي سنقدم عليها ، فكيف يمكننا أن نتخذ القرارات الصائبة ؟
خطوات لابد منها قبل اتخاذ القرار
يقول المدربون على التنمية البشرية و المهارات في هذا المجال :
1 - حاول أن تفكر بهدوء وعقلانية فالابتعاد عن الانفعال والسيطرة على النفس صعب ولكن لابد من ذلك لاتخاذ القرار الصائب .
2 - لا تستعجل كن متأنياً وخصوصاً في القرارات المصيرية التي يترتب عليها تبعات كبرى.
3 - حاول أن تسجل كل ما يمكن من الإيجابيات والسلبيات المترتبة على اتخاذ القرار من عدمه قبل اتخاذه
4 - شاور أهل العلم والخبرة قبل اتخاذ القرار الذي تراه صعبا أو سيكون له تأثير على مجرى حياتك، فهم أدرى منك بالوقائع وعواقبها . و المشورة ليست عيبا بل مطلوبة .
ثم يقولون : ليس صحيحاً أن تكون جميع قراراتنا صحيحة. ولكن الصحيح والمطلوب أن نبذل جهدنا في اتخاذ القرار الصحيح، فإن وُفقنا فالحمد لله و الفضل له . فالخطأ لابد أن نراه كجزء من حياتنا الطبيعية فنحن لسنا معصومين من الخطأ، ولكننا نحاول بقدر الإمكان تقليل نسبة الأخطاء التي نسقط فيها. لذا ضروري اتخاذ القرار في وقته المناسب ولا للتأجيل بعد الاستشارة والتحليل والتعليل .
