عبد الله الدامون يحكي فيلم سينمائي عن مجموعة أشخاص يقيمون في عيادة خاصة لعلاج الزهايمر، داء النسيان، وهذه العيادة تشهد أحداثا غريبة وجرائم غامضة لا أحد يفك لغزها.
في هذه العيادة تـُرتكب جرائم متسلسلة ضد المرضى، والذين يقومون بهذه الجرائم هم مسؤولون في العيادة، والذين يعتمدون على نقطة ضعف أساسية لدى الضحايا وهي أنهم مرضى بالنسيان، لذلك تستمر الجرائم لأن لا أحد يتذكرها بعد ذلك.
غير أن الغريب أنه كلما حدثت جريمة ومات أحد النزلاء، يقوم المسؤولون عن العيادة في اليوم الموالي بإعداد كعكة لعيد الميلاد، وينظمون حفلا صاخبا، وفي كل مرة يوهمون أحد المرضى بأن اليوم هو يوم عيد ميلاده، فيقتنع الشخص، لأنه مريض أصلا بمرض النسيان، وهكذا تستمر الجرائم والحفلات.. وتستمر أيضا الحياة.
الواقع المغربي لا يبدو مختلفا كثيرا عن عيادة المرضى بالزهايمر. فمنذ الاستقلال وحتى هذه الساعة، ترتكب جرائم حقيقية ضد المغاربة من خلال الاختلاسات الرهيبة للمال العام ونهب الميزانيات واستفحال سلوك الكوميسيونات والفساد في الجماعات المنتخبة والبرلمان، والتردي الفظيع في كل الخدمات والقطاعات، لكن رغم ذلك فإن ذاكرة الناس قصيرة.. قصيرة جدا.
ويتذكر الجميع، مثلا، حالة نهب صندوق الضمان الاجتماعي، الذي أُفرغ من آخر فلس، والمتورطون في ذلك معروفون للجميع، ومع ذلك لم يدخل السجنَ أحدٌ، ولا تزال تلك المحاكمة الصورية مستمرة منذ عشر سنوات، وكأن الجريمة ارتكبت في غابة ضد مجهول، مع أنها جريمة ارتكبت ضد الملايين من المغاربة الفقراء الذين يقتطعون من أرزاقهم ويملؤون صندوق الضمان الاجتماعي، الذي لحسه الشفـّارة حتى آخر قطرة.
في كل الفضائح المجلجلة التي حدثت في السابق، لم يحدث شيء.. أفرغ المختلسون أبناك ومؤسسات عمومية وخاصة بكاملها فلم يقع أي شيء، وكأن ذلك جرى في جزر الواقواق. وتم نهب الميزانيات وارتكاب كل الموبقات في حق الناس، وظل الفاعلون طلقاء. مقابل كل هذه الجرائم في حق المال العام، كانت هناك حفلات كثيرة تقام دون أي مناسبة، والمناسبة الوحيدة هي أنها تصلح لكي تجعل الناس ينسون بسرعة الجرائم التي ترتكب في حقهم، ولهذا السبب شاع بيننا مصطلح «شعب الغيْطة»، لأنه كلما زغردت الغيطة في مكان، هرعنا إليها وتركنا بيوتنا مفتوحة للناهبين.
الناس يتذكرون أيام ادريس البصري، حين تم خلق حفلات أسبوعية في مختلف المدن المغربية، وهي حفلات كان ينقلها التلفزيون مباشرة، وكانت تسمى وقتها «السهرات الكبرى»، و«العايْقين» سموها السهرات «الكوبْرا»، لأنه لا فرق بينها وبين ثعابين الكوبرا التي تنفث السم في أجساد ضحاياها فتتركهم جثثا باردة.
في تلك الأيام، كانت الزرواطة تعمل جنبا إلى جنب مع السهرات، يعني أن هناك اختياران لا ثالث لهما، إما أن ينتفخ مخك بضجيج الموسيقى المبتذلة أو أن ينتفخ ظهرك بضربات العصا.
وحتى عندما توقفت تلك السهرات الكبرى، التي كان تمويلها يتم من ميزانيات الجماعات المحلية، يعني من جيب الشعب، فإن التلفزيونات الرسمية استمرت في نفس الطريق، أي أن الحفلات الموسيقية والمسابقات الفنية المبتذلة هي الطريق الأفضل لجعل الناس ينسون بسرعة.
هذه الأيام، لا يبدو أن الأشياء تغيرت كثيرا، ففي عدد من المدن المغربية صارت السهرات الموسيقية تنظم في نفس الأماكن التي تنطلق منها المظاهرات المناهضة للفساد، وتمويلها يتم طبعا من جيوب الناس. والغريب أنه كلما ارتفع الغضب على الفساد المستشري، صار الفساد أكثر وقاحة وأصبح يرقص عاريا أمام الناس ويتحداهم.
ما الفرق، إذن، بيننا وبين مرضى الزهايمر في تلك العيادة؟ الفرق الوحيد أنهم كانوا في فيلم سينمائي، ونحن في قلب الواقع.
