بقلم طارق جبل
بالغت الشعوب العربية في التفاؤل بعد أن أمعنت في الإحباط زمنا طويلا، فتمنت أن تقطف ثمار ربيع ثوراتها في أقرب الآجال. لكنها سرعان ما استيقظت من أحلام الحرية والدمقرطة الوردية لتجد نفسها أمام خريف سيبيري أسود يعرف من أين يبدأ ولا يعرف إلى أين ينتهي. إذ لم يفت أشد المتتبعين إصابة بحالة الخدار تكالب النخب الانتهازية والأجندات الخارجية على مصلحة الشعوب الثائرة على قضاء القهر وقدر الاستبداد. ولم يجد المواطن العربي بدا من الابتعاد في كل يوم أكثر وأكثر عن سراب الثورات السلمية وعبق القرنفل والياسمين ومخدرات حسية أخرى، أمام ما تتعرض له الثورة في تونس ومصر من محاولات إجهاض مستميتة؛ ووسط حمامات الدم في ليبيا وسورية.
شكل ثاني...حال البلاد العربية من مشرقها إلى مغربها.
شكل ثاني...تهور الأنظمة الاستبدادية الانتحاري في تعاملها مع مطالب الشعب بمزيج متساوي المولية من الاستخفاف والاستعلاء. أمام سوء فهم الزعماء وعسر هضمهم، بسطت الشعوب العربية مطالبها فاختزلتها في شعار إسقاط الفساد، تقطعت به حبالها الصوتية مسيرة بعد أخرى. لكن الأنظمة تصر على حديث العصا السحرية وتواضع القدرة البشرية أمام تحقيق مطالب الشعب الطبيعية عندما تصورها على أنها رغبات معقدة تستعصي تلبيتها على مارد القمقم. فتساوم المواطنين على حقوقهم الأساسية ولا تتردد في أن تزايدهم على صدق نواياهم وإخلاصهم في حبهم للوطن لتتهمهم بالعمالة والخيانة. ويستمر حوار الطرشان بين من يريد لقمة يسد بها رمقه وسقفا يأويه وحروفا قليلة أو كثيرة يتعلمها وحرفة تعيله، وبين من يدعي محاربة الفساد على مراحل سرابية ومحاسبة المفسدين في مخططات بعيدة بعيدة بعيدة المدى. فلا تزيد حقوق المواطنين إلا غرقا في محيط لا قعر له من النوايا الحسنة والشعارات الفضفاضة والوعود الضبابية بغذ زئبقي لناظره قريب بعيد.
شكل ثاني...حربانية الأحزاب التي بوسعها أن تتأقلم مع كل معطى سياسي جديد، لتقلب دفة شعاراتها مائة وثمانين درجة دون أن تفكر مرتين قبل تغليب مصلحة الحزب على مصلحة الشعب.
شكل ثاني...نفاق صحافة البقالة. عندها لكل مقام مقال ولكل مقال سعر. تجيد العزف على أوتار التأويل. كلامها ألغاز غامضة تقبل آلاف الحلول ونقيضها، يجد فيه المعارض ضالته قبل المؤيد. يشتد نقدها للحاكم فتمدحه وتداعب المحكوم فتلطمه. تغازل رجال الأمن والمخابرات وتلوم الشعب. تلوي أعناق الأحداث لتقرأها بنظارات تدبر الخلاف وتكفيها شر الرقابة. الهروب من المواجهة في حسابها حكمة، فوائده الصحية لا تعد ولا تحصى.
شكل ثاني...انتهازية المتطفلين على موائد الأدب والفن. يستحمرون الشعب فيما يتفضلون به عليه من فضلات إبداعية معقمة الشكل عقيمة الفحوى. يتحججون في زمن الاستبداد بتفرغهم لنزوات الحرفة، فلا يلتزمون إلا بالصمت في عنترياتهم الإبداعية. لكن سرعان ما تجدهم يتخصصون في السياسة في زمن ما بعد الثورة، فتطول ألسنتهم وتمتد محاضراتهم.
شكل ثاني...حوار مجتمعاتنا المتمدن. أجنداته ملتوية، مراحله متعددة وطرقه متشعبة. طالب المواطنون بحقوقهم الأساسية، فركبوا على ظهورهم وأصروا على دسترة الأمازيغية. بعد أن دسترت الأمازيغية، اكتشفوا أنهم يريدونها لغة رسمية في دولة علمانية. فهموا يصبون على مسامعنا ما اكتشفوه من أدبيات- حفريات في مداخل العلمانية. ربما لضيق الوقت عندهم. فهم كثيرا ما يكتبون وقليلا ما يقرؤون. وإذا وقعت الواقعة وقرؤوا، فمن النادر أن يفهموا. لماذا لا ينظمون أوراشا وطنية يستضيفون فيها مفكرين متخصصين في العلمانية إذا كان شأنها فعلا يؤرقهم، حتى يريحوا أنفسهم ونرتاح من قبلهم من آخر اكتشافاتهم وأولى خطواتهم في طريق العلمانية ؟ لكنها أسطوانة قديمة مشروخة أهلكونا من سماعها. سيقولون أولا، نحن أمازيغ ولسنا عربا. ثم تكون الخطوة التالية أنهم يريدون دولة علمانية لا إسلامية. وبعد ذلك، سيخرجون علينا -كما سبق وفعلوها - بمترتبات نتصورها وأخرى لا نتخيلها؛ من باب (القضية الفلسطينية لا تعني المغرب في شيء) وهلم جرا. ألن يكتب لهم في يوم نتمناه قريبا أن يتوبوا عن منطق المتاهات والجدال البيزنطي والنفاق الفكري ؟ متى يكفون عن إثارة المواضيع التي تفرق، عوض الدعوة إلى ما يوحد صفوف المواطنين في أشد الفترات حرجا في تاريخ البلاد ؟
ما زالت كل هذه الأشكال وغيرها تهدد مستقبل الوطن. وطن يكرم الحمار كل سنة في مهرجانات التشريف والتقدير، ويستحمر المواطن كل يوم في الحقوق والاقتصاد والسياسة والأدب والفن.
