محمد صالح
كانت البداية بكلمات عظيمة، شعارات رنانة تردد في كل صوب وحدب، سيمفونية جميلة جدا عزفت بلحن مثير على آذاننا، قالوا سنقضي على الفساد والمفسدين، قالوا سنضع حدا لعهد القمع والاستبداد والاضطهاد، قالوا سنزرع السلام الاجتماعي وسنحقق الأمن الاقتصادي، قالوا سنقود مركب الإصلاح وسنصل به إلى شط الأمان، قالوا افرحوا وابتهجوا فمعنا سيشرق الأمل، وسيتحقق الحلم...، فمع العدالة والتنمية لا وجود للمستحيل، بل المستحيل نفسه سيخر ساجدا مسلما ومستسلما، فمع "بن كيران" زعيم الإخوان ستنعمون في جنات عدن، ستلجون فردوس الأرض وتنعمون بخيراتها وثرواتها....، في الوقت الذي سيحترق فيه الفاسدون والمفسدون، المضطهدون والمستبدون، ناهبو ثورات البلاد وقاطعي رزق العباد... في لهيب نار جنهم....
عبارات جميلة لم يتردد أنصار الحزب الحكم في ترديدها على مسامعنا في كل وقت وحين، حتى صرنا نعتقد أن الخلاص فعلا قد آتى، وبدأنا نتخيل حجم الخوف والذعر والهلع الذي يتسلل إلى نفوس المفسدين، كيف لا وقابض أرواحهم يصول ويجول حاملا سيف العدالة؟؟ ماذا عساهم يفعلوا؟؟ غير أن يسلموا أنفسهم للقصاص، غير أن يعلنوا استسلامهم أمام بطلنا المغوار قائد الحكومة الباسل "المبعوث الرباني"، القادم لتخليص بلادنا من براثين الفساد والاستبداد.
مرت الأيام وصار زعيمهم رئيسا للحكومة، فبدأ يتسكع بين دروب الخيال، يتنقل بين قصص من تأليفه يكون بطلها الأسطوري الخارق، الذي يتنقل بين البشر لينشر الخير ويحارب الشر، الذي لا يتوانى عن رفع سيف العدالة عاليا، وجعله مستعدا لقطع رقاب المفسدين، الذي يخطف النجومية من النجوم أنفسها ليصبح محور الكون، صنع لنفسه أعداء خرافيين لا وجود لهم إلا في مخيلته، وصار يحاربهم بلا هوادة يخوض حربه الدونكيشوتية ويستلذ بانتصارات وهمية.
تسارع الزمن السياسي، وتوالت كوارث الحكومة، لنكتشف أن السفينة التي وعدونا بوصولها إلى شط الآمان، بدأت بالغرق في بحر الديون الخارجية والأزمات الاقتصادية المتفاقمة، وجنة الفردوس التي حدثونا عنها، لم تكن إلا واحة سراب في صحراء الكذب والنفاق، والأمن الاجتماعي والقضاء على الفساد ونشر السلم والحرية والهناء والصفاء...، كلها كانت مجرد سحب صيف عابرة لن تسقط منها ولو قطرت أمل واحدة...
اتضح أن ربان الحكومة أبحر بنا في جحيم لا يطاق، وأنه لا يعدو أن يكون بهلوان حاول رسم ابتسامة أمل على وجه شعب ذاق من المرارة الشيء الكثير، وما أن رأى الابتسامة بدأت تنجلي من على وجهه، وملامح الغضب بدأت تشتد من جديد، وأن الوضع بدأ ينذر فانفجار محتوم ضده، حتى تحول إلى مرود تماسيح محترف، استدعاها إلى حلبته العفنة وألقى عليها اللوم في كل ما يجري وحملها فشله والتحول الفظيع الذي حدث في تجربته وانتقالها من حلم رومانسي جميل، إلى كابوس تراجيدي مرعب، وهي بريئة منه براءة الذئب من دم يوسف، هذا ما جعل الغضب يكتنف التماسيح أيضا، ودفعها إلى غزو العاصمة بحثا عن رئيس الحكومة هههه.
وبعد فشل خطته الأولى، تحول البطل الأسطوري إلى رجل حكيم لا ينطق عن الهوى، الشيخ العارف بكل دروب العلم، العلامة الفاضل المتمكن، الذي منح لنفسه حق إصدار الفتاوى، فقال عن هذا مختلس وعن ذاك معتوه وعن الأخر شيطان...، وطبعا كان لعدوه اللدود النصيب الأكبر، بل ذهب إلى حد مصادرة حقه في الوجود، بعدوى أن الأصالة والمعاصرة ليعدوا أن يكون خلطة غريبة، لذا وجب حله !!!؟؟. وكلما اشتد الخناق عليه إلا ورمى بحركاته وكلاماته العشوائية يمينا وشمالا، تماما كذاك الغريق الذي يحاول التشبث بأي قشة لتجنب الغرق، يحاولا عبثا أن ينجوا من غرق محتوم، وتبعه في ذلك وزرائه، الذين تمكنت منهم سكرات الموت السياسي هم الآخرون، ولم يعودوا قادرين على ضبط تصرفاتهم ولا كلماتهم، أحدهم (الوافا) تفوه بكلام نابي لم يسبق لأحد أن دنس به قبة البرلمان، وأخر (الداودي) قال بتعميم المنحة !!! قبل أن يعود ويقول هل أنتم مجانين؟؟ كيف يمكن أن أعطي المنحة لأبناء الأغنياء؟؟؟ .... وغير ذلك من التصرفات والتصريحات الغريبة لرئيس الحكومة ووزرائه ومسؤوليه، لا يسعنا معها إلا أن نقول لهم، يا أيها الوزراء المحترمين رجاءا لا تدخلوا البرلمان حتى تدرون ما تقولون.
فقد انتهى زمنكم يا سادة، وحان لكم أن تأخذوا مكانكم في كتب التاريخ، إلى جانب القوى النازية التي دمرت العالم، والحركات الظلامية المنتهية الصلاحية، وربما ــ من يدري ــ تجدون لأنفسكم مكانا بين رفوف الروايات والأساطير الخرافية.
