احمد اضصالح
ميزة هذا الشهر الفضيل، أنه يصادف حدثا كرويا يوصف بالعالمي على أرض البرازيل، ويتمثل في نهائيات كأس العالم 2014، شاركت فيه منتخبات دول شتى من مختلف القارات، لذلك استرعى انتباه الجميع بما في ذلك الذين لم يكن لهم أي اهتمام بالشأن الكروي.
هذه البطولة الكروية كالعادة، خُلقت للأقوياء ولا مكان فيها للضعفاء ما دام قانون الغاب هوا السائد في عهد الفكر الرأسمالي والزعامة الوحيدة.
لذلك لما تقابل المنتخبان الجزائري والألماني في الدور الثاني تسارع إعلام الجزائر بكل بلادة مصطنعة نحو إطلاق الوعود الزائفة وبيع الأوهام واحد تلو الآخر في محاولة منه لخرق قاعدة "الغلبة للألمان"، وكدعاية لتوجيه الرأي العام نحم التمني، والتغني بأمجاد كروية مفترضة على حساب قرارات سياسية ومصالح هنا وهنالك.
اليوم، أوشكت البطولة على الانتهاء، ولا تفصلنا مع هذه النهاية غير ساعتين قد تقل قليلا او تزيد يوم الأحد المقبل في مواجهة ستحدد مصير اللقب العالمي لبلاد السامبا أإلى الماكينات الأوروبية كسابقة في التاريخ، أم إلى أبناء الأرجنتين الند اللذوذ للبلد المضيف، آنذاك فقط سيغمر الجميع ارتياح بدني ونفسي واضح سيمهد لاستفراغ الوسع لأجل رمضان ولا شيء غيره.
فالأيام التي تُلعب فيها المباريات، أيام لهو ولعب وشغل كروي باد في المساجد والطرقات والمقاهي وفي كل مكان، حتى بلغت إلى مسامعنا فتاوي تجيز تأخير الصلاة إلى ما بعد صافرة الحكم النهائية في مقابلة الجزائر وألمانيا.
والفتوى –من باب التذكير لا غير- "إخبار بحكم شرعي مع المعرفة بدليله" وفق ضوابط وشروط وآداب حددها فقهاؤنا الأجلاء في مصنفات ضخام تكاد لا تحصى.
ورغم أن الفتوى شرعا لا تلزم أحدا بقدر ما هي إخبار يأتي في الغالب بعد سؤال من المستفتي، على عكس حكم القاضي الذي يكتسب صفة الإلزام. إلا أن الشارع رتب لها أحكاما وضوابط دقيقة محكمة حتى ألف ابن القيم رحمه الله تعالى كتابا في الباب سماه "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، كأن المفتي حال الفتوى يوقع نيابة عن ربنا عز وجل، لبيان جسامة الموقف وخطورته.
لكن مع الانحطاط الذي آلت إليه الحضارة الإسلامية اختلطت المفاهيم كثيرا وتصدر المشاهد من ليس أهلا من الناحية الفكرية والعلمية، فصار هذا المجال مرتعا لآراء غذتها الدعايات الإعلامية، والمزايدات الصحافية.
فقبل مباراة الجزائر، خرج البعض ممن ينتسبون لمؤسسات دينية رسمية هنالك للقول بجواز تأخير صلاة العشاء والتراويح إلى ما بعد المباراة بهدف الجمع بين "الحسنيين".
ولأن بعض الوسائل الإعلامية المغربية تحب أن تصطاد في الماء العكر، فقد اتخذت لنفسها مرجعا للفتيا اسمه "عبد الباري الزمزمي"، فأوردت خبرا يخصه في موافقة الأشقاء الجزائريين بداعي أفضلية تأخير صلاة العشاء سُنة، وحصول الخشوع الذي لا يجتمع وشواغل الحياة.
قد تكون هذه الفتاوي لها ما يبررها ويدعمها من الناحية النظرية، استنادا إلى مجموعة من الحيثيات والوقائع المحيطة بأحداث كأس العالم الكروي. لكن، بالنظر إلى المصالح التي كان من المفروض مراعاتها من المفتي وجب اتخاذ موقف سليم اتجاه ما بات يعرف ب"أفيون الشعوب" في العصر الحديث.
وهنا نذكر بالحرب الضروس التي لعبت فيها الكرة دورا بارزا بين السلفادور والهندوراس سنة 1969، والعداوة التي كادت أن تتحول إلى ما لا تحمد عقباه في الآونة الأخيرة بين شعبي مصر والجزائر، حتى قال (هشام الجخ) في إحدى قصائده الثورية قبل أن تحل على بلده لعنة الانقلاب: "أتجمعنا يد الله وتفرقنا يد الفيفا!"، دون الوقوف عند الخسائر البشرية والمادية التي يُعلن عنها بعد كل مباراة في بلادنا.
هذا الموقف السليم الذي يجب أن تفصح عنه المؤسسات الرسمية الدينية التي خُول لها الاجتهاد في مثل هذه النوازل والوقائع، انتصارا للصلاة على حساب اللعب مهما بلغ من قوة الإلهاء الجماهيري، وإلا صارت الكرة أقدس من العبادات المفروضة، وهي التي قال عنها الباري تعالى في محكم كتابه: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا).
وإذا لم يتم التأكيد على هذا الأمر وترسيخه في نفوس النشء، فإن أسئلة أخرى أكثر عمقا في تقديس الكرة ستتقاطر على متصدري الفتوى في المشهد الإعلامي ونحن على أبواب عيد الفطر المبارك، من قبيل: "أفتنا شيخنا في زكاة الفطر نخرجها للفيفا!!".
