إحسان الفقيه
كأن الناس يبحثون عن حياة أكثر صدقا في الموت الأكثر واقعية..
في بلادنا لا وقت لأحد أن يحيا معاناة خاصة او عامة كي يصبح مبدعا لأنه وببساطة يولد مسحوقا بامتياز..
هاهي العدالة المسفوحة جدائلها في ميدان التحرير تُبارك حنطتنا وتُعمِّد حدائقنا بالملح...
متوحّشة تلك المسافة الفاصلة بين الأنوف التي يعبرها البحر وتلك الملأى بعفونة النهار..
****
ما كلُّ مُفترق يؤدي الى طريق...
أمن الممكن أن تكون أنت الذي التقيته أول الزمان؟ أمن الممكن أن أكون انا تلك الصغيرة العاشقة بفستانها الأحمر وسذاجتها الممسوسة بالأحلام؟
من يلد الآخر يارفيقي..الموت ام الحياة؟ الذُلُّ أم الخنوع؟ الصمت ام الخشية أم الجُبن ام الاستجداء؟
الوجع لايشبه نخز الشوك دائما.. فالآلام تتنوّع كالحكايات تماما..
لا مُسميّات لتلك الأشياء التي تُمزّقني حين أُتابع أخبارا عنكِ يامصر.. فاعذري عجزي.
****
عندما تتخلص من سطوة المرآة التي لا تُظهر صورتك أنت.. ابتسامتك أنت.. حزنك أنت ورفضك أنت وأمنياتك أنت...
عندما يغمرك (النيلُ) بأسرار انتشائه وتصبح أنفاسك مركبة للفراشات وحركة ذراعيك دوائر للضوء... عندما تُقدِّس أسماء أُولئك الأنقياء الذين مرّوا من هنا ولم يحملوا في حقائبهم حنطتك أنت، حقولك أنت، عيون حبيبتك وأنشودة إصباحك...
عندما تدور العتمة في مدارك، ولا تُقصيك الطرقات عنك بك، بل تُحيل عبثيّة التمنِّي الى رؤىً والاستقامة المُتعبة الى مِعراج.. عندها فقط يارفيقي ستعرف من أنا...
***
لا أعرف إن كان الموت أكثر لطفا هذه المرة؟
وهل ترك لفرط تخمته وحماقته بقايا ابتسامة في ميدان التحرير او في حدائق القُبّة او قرب الحواوشي المخضرم في رمسيس؟
لستُ أمتلك دموعا بحجم إيماءة رأس واحدة تكفي ملايين المصريين الطيبين الرائعين..
لست أملك مقبرة فسيحة بين العينين تكفي كل تلك الوجوه النقيّة الشقيّة حتى بترتيبات ما بعد الغياب...
ولستُ أعلم ماذا أُقدّم لكِ يامصر؟
ثمّة حُزن من الدرجة الأولى يصلح لعناوين الأخبار وثمة أحزان لا يعرفها الا أصحابها.. فدعني أبكي بغبطة حريّة تنتمي اليها أشواقي وتسكنني تفاصيل نشوتها..
