طارق جبل بداية الأسبوع. كان يوم موعد الحاج عبد الوهاب يوما مشهودا. واحة في صحراء قاحلة. انتظر سماع آخر نوتة من قيثارة مجنونة تعزف لحنا من ألحان الجاز عفريتيا ليوقف محرك السيارة. يوم آخر سيقضيه في سماع قصص الهم وروايات الغم... تعود به الذاكرة من وقت لآخر إلى أيام الكلية والتدريب في قسم الطب النفسي وأولى سنوات الاختصاص. وكيف كان سرد رواية (البؤساء) و(ديفيد كوبرفيلد) على لسان الرجال والنساء من شتى الأعمار ومن مختلف الطبقات الاجتماعية، يؤرقه ويقض مضجعه. كان يقين المرضى بخطورة حالتهم وتفردها تدفعهم للتفنن في وصف معاناتهم والتوقف عند أدق تفاصيل تعاستهم. وكانت فسيفساء الشقاء هاته، تصيبه بالتقزز والغثيان وأحيانا بنوبات قيء عنيفة. لكن زمن الرأفة الزائدة والشفقة المفرطة قد ولى. قتلت فيه سنوات طويلة في مزاولة "الحرفة" إحساسه المرهف ومشاعره الجياشة. تحول إلى رادار بالغ الحساسية في التقاط الحركات والسكنات وتفاصيل الهندام وتحليل مفردات الحديث وتركيبه، وتمحيص نبرة الصوت وتقاسيم الوجه. تحول إلى تقني بارد، غرضه فلترة الكلام الفارغ، تشخيص الحالة وعلاجها، و"إقفال الملف" في أقرب الآجال. وكان في نهجه هذا يثير حنق زملائه من سماسرة الحرفة الذين يتشبتون بالزبون بأسنانهم ومخالبهم. يشدون حبل فترة العلاج حتى يقطعونه ويبتهجون لانتكاسة مرضاهم. يوم آخر سيقضيه في سماع قصص الهم وروايات الغم... كان كثيرا ما يسخر من مزاعم التحليل النفسي التي يدافع عنها الفرويديون بتلفيق تهمة "المقاومة". كما كانت تراوده هرطقة شكوك محظورة حول صحة نظريات الفيزيولوجيا المرضية العصبية التي تروج لها المختبرات العالمية بغرض تسويق عقاقيرها. أضجره سوق العلاج النفسي بالحجج العلمية الزائفة والإثباتات الواهية التي لا سبيل للتحقق من صحتها. وتطور ضجره إلى اعتراف بالضعف وقلة الحيلة في مواجهة مطبات التشخيص وكبوات العلاج، وشعور بالعجز والإحباط أمام المرض النفسي وهروبه الزئبقي من التفسير لتشابك المسببات و تشعبها. لكن الصورة لم تكن قاتمة تماما. فلقد قطع الطب النفسي أشواطا جبارة منذ زمن (الدريباتومانيا) عندما كان الزنوج في أمريكا يرمون بهذا التشخيص الملفق كلما حاولوا كسر قيود العبودية، و (مؤسسات البسيخوسكا) حيث كان الاتحاد السوفياتي يحبس معارضيه بدعوى علاجهم من "مرضهم النفسي"، ووسائل العلاج البربرية بالصدمة الكهربائية الموزعة بسخاء على كل التشخيصات، ومودا الجراحة العصبية النفسية ومنعرج (اللوبوتوميا) وغيرها من الخزعبلات التي يخجل الطب الحديث من استظهار سيرتها. تركز أسلوبه في العلاج مع مرور الوقت واكتساب التجربة على دردشات حميمية كان يكتفي بتوجيهها، وأوراش للعلاج السلوكي والمعرفي والبرمجة العصبية اللغوية، مع تفادي وصف الأدوية كلما استطاع إلى ذلك سبيلا. دفع الباب ودلف إلى بهو العيادة في خطوات سريعة. رد على تحية السكرتيرة بابتسامة صفراء وعبارات مقتضبة قبل أن يشير بسبابته إلى قاعة الانتظار مستفسرا. "سبع حالات، أولها الحاج عبد الوهاب. يحل مسائل السودوكو منذ نصف ساعة تقريبا." في حركات آلية، فتح باب مكتبه. نزع نظاراته الشمسية، ثم تخلص من حقيبته بعد أن أخرج منها مفكرته. كان ديكور المكتب بسيطا متواضعا. لا طوطمات ولا تابوهات. لا بصل ولا طماطم. لا لوحات فنية ولا تماثيل برونزية ولا خزانة موسوعاتية ولا هم يحزنون. كل شيء فيه يوحي بانصراف صاحبه إلى التركيز على الأمور الأساسية دون تضييع الوقت في السفسطة النظرية وتلميح الشعر وماكياج النثر. واحد زائد واحد يساوي إثنين. لا مكان في عالمه لربما ولعل وسوف نرى. يرى الحياة كما هي ملآى بالمشاكل الناتجة عن سوء التفاهم ووله الناس بالتعقيدات التي لا جدوى من ورائها إلا خلط المفاهيم وتعسير الفهم وعرقلة التواصل. في اعتقاده أن تفكك اللغة المتداولة بين الناس ولبس التعبير فيما يقولون ويكتبون في غنى عن غموض الشعر برموزه المبهمة وأغراضه المشفرة وأساليبه الملتوية. يعيش في عالم مثالي، يتفوه فيه المرء بعبارات تيليغرافية تقتصد اللعاب وتختصر الكلام وتعتصر المعاني، ثم يمضي إلى حال سبيله. قوله فصل، منطقه حسابي وأفكاره واضحة بجلاء كريستالي. لا مجال عنده للهمز واللمز واللف والدوران... قطعت طرقات خفيفة على الباب حبل أفكاره التي بدأت تدور في حلقة مفرغة. ثم انفرجت أساريره لرؤية من كان يروق له أن يسميه علنا في حضوره وخلف ظهره "مريضَه المُعَالِج". الحاج عبد الوهاب. كانا يتبادلان عبارات التحية وبروتوكول السؤال عن الأحوال والنعوت وجديد الأخبار والمبتدءات عندما دخلت عليهما السكرتيرة بفناجين الدارجلين الساخنة وملف الحاج السمين. في قاموس العيادة المتعارف عليه بين الدكتور و مساعدته، الملف هو ملف الحاج، وملف الحاج هو الملف. حقيقة الأمر أنه كان الملف الورقي الوحيد في العيادة بعد أن تبنت نظام الأرشفة الإلكترونية منذ مدة ليست بالقصيرة. لكن الدكتور لم يجد بدا من النزول عند رغبات الحاج المشبعة بتصوراته الرومانسية عن فولكلور العلاج النفسي. فكان يتظاهر بتسجيل حديث الجلسات وكدس في الملف فواتير الماء والكهرباء وبعض إعلانات الأدوية، كان يتظاهر بتصفحها ومراجعتها وتنقيحها وتعزيزها بوثائق أخرى جديدة لا علاقة لها بالحاج لا من قريب ولا من بعيد. حاول فيما مضى وفي أكثر من مناسبة أن يقنع الحاج بأن لا حاجة له بطبيب نفسي، لكنه أصر على أن الجلسات تذر على صحته النفسية منافع وبركات لا قبل له بالتخلي عنها. حقيقة الأمر أن الدكتور كان الأحوج لدردشات الحاج الهوميرية عن مقاومة الاستعمار ومغامراته في صفوف جيش التحرير. أربعون دقيقة تمضي بسرعة خاطفة كان ينتشي بها إلى آخر لحظة كما يتلذذ الأطفال بامتصاص الحلوى حتى يختفي أثرها من أفواههم. كانت روايات الحاج مثيرة في أحداثها سلسة في سردها، لا تقطع اتصالها إلا رشفات محسوبة تخدم غرض التشويق أكثر من احتساء الشاي الأسود المنعنع. تبعده عن صحراء الوهم وسيرة الهم ومن يصنعون من الحبة قبة، لتطير به إلى واحة غناء تسعد النفس و تبهج الروح. لكن ما غاب عن علمه هو صداقة الحاج لوالده واجتماعه به مباشرة بعد كل جلسة ليطمئنه على أحواله، منذ أن عاد لممارسة الطب بعد انقطاع طويل اضطره إليه تدهور حالته النفسية. http://gibraltarblues.blogspot.com
