آخر حصة تدريبية للأسود قبل مواجهة نيجيريا.. أجواء حماسية بين اللاعبين وأوناحي يعود لمداعبة الكرة

رحيمي وآيت بودلال والزلزولي: درسنا نقاط قوة وضعف نيجيريا ونحن جاهزون لموقعة نصف النهائي

ردود فعل مغربية غاضبة تندد بشغب بعض الجماهير الجزائرية والخروج عن الروح الرياضية بعد مباراة نيجيريا

تطوان تحتضن منتدى وطني حول الطاقة والرقمنة والذكاء الاصطناعي من أجل تنمية مستدامة مبتكرة

مصريون يطالبون بمساندة الجماهير المغربية أمام السنغال ويتمنون مواجهة المغرب في النهائي

هل تهدد نيجيريا كرسي المدرب؟ جواب جريء من الركراكي قبل موقعة نصف نهائي كان المغرب

حدود الصبر

حدود الصبر

 

 

 

بقلم طارق جبل

ليس كل من يسدد فواتير الماء والكهرباء محللا اقتصاديا. وليس كل من يقتني موسوعة طبية رخيصة دكتورا متخصصا في معالجة الأمراض المستعصية. وليس كل من قرأ روايات كونن دويل شرلوك هولمز. وليس كل من تصفح (الوجود والزمان) على عجل وفهم هيدجر بالمقلوب فيلسوفا. وليس كل من ينظف مراحيض المطارات يحق له التقدم بطلب العمل في ناسا... بالرغم من ظهور المعنى، فلا بد من تكرار هذه العبارات ومثيلاتها على ألوف من القطعان المألفة ممن يبصقون المقالات ويبيضون النظريات. ولعلي لا أستثني نفسي منهم إلا عن جهل أو وهم... منهم من قرأ كتابا أو كتابين، أو ربما مقالا أو مقالين عن العلمانية فنصب نفسه خبيرا مجراتيا في هذا الموضوع. يرهق عقله ويجهد عيون من يخطئون فيقرؤون له ثم لا يلومون إلا أنفسهم؛ باكتشافات واختراعات أسبوعية وأحيانا يومية عنده هو وحده سرها، يصبها على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية. لا تزيده تعليقات القراء ممن فقدوا السيطرة على أعصابهم والتحكم في أقوالهم من هول ما قرؤوه إلا إصرارا على اختصاصه وتشبتا بهرطقاته. هناك نوع آخر من الكتاب ممن يستحق لقب (كاتب عمومي) يفهم في كل شيء ويجادل في كل أمر. بل ويذهب إلى أبعد من ذلك، فيتصور حاجة القراء الشحاذين المساكين لأن يرق لحالهم ويعطف على جهلم بتفسير ما لا يفهم وتعليم ما لم يعلم. نوع ثالث يطبق مبدأ (خالف تعرف)، فيعاهد نفسه على أن يدافع عن كل قضية خاسرة. شذوذ جنسي، زواج المثليين، حق الإفطار العلني في رمضان، شرعية الجماع في الحدائق العمومية في شعبان...نوع رابع، صورة النوع السابق المنعكسة على المرآة. لا نكون قد جانبنا الصواب إذا ما وصفناه (بالكاتب الشعبي)، يتحصن بإجماع الأمة وقيمها الثابتة لينشر الإسلام في المساجد وليدعو للفتوحات في بلاد طارق بن زياد. ونوع خامس، ربما يكون قد أصابه الضجر من الانتماء إلى إحدى الطبقات الأربع، أو سئم من الترحال ما بين طبقة وأخرى، ليقرر أن يجرب في القراء وصف الفجر في عشرة سطور وحال الغروب في عشرة سطور أخرى، قبل أن يعدهم -أو يتوعدهم- بأن للحديث بقية -لا قدر الله- عن كسوف الشمس وخسوف القمر.

 

لكن ليس أغرب فيما قيل ويقال عن الثورات في البلاد العربية من تأكيدين مجانيين متعارضين لا أساس من الصحة لأي واحد منهما. يلح بهما المفكرون المتطفلون على القراء الصابرين في مناسبات كثيرة ومتكررة.

أولهما: تعجب رواد التحليل السياسي في بلادنا، وربما في المجرة بأسرها، من تأخر الثورات وبطء انتقال عدواها من بلدان أوروبا الشرقية إلى الوطن العربي. وهم في تعجبهم، أو تظاهرهم بالتعجب، يتبنون أفكارا جاهزة بالية ومقاربات نظرية مستوردة بعد فوات الأوان و وروايات ببغاوية منتهية الصلاحية،

تتجاهل في ثقة عمياء تاريخ العالم العربي وتجهل في عمى واثق واقعه وظروفه، لتتوهم فيه استمرارية جدلية لما عرفته دول أوروبا الشرقية بعيد سقوط جدار برلين وقبيل انهيار الاتحاد السوفياتي. بالضبط كما يتخيل الفلكيون أشكال الأبراج في السماء ويقرأ المنجمون الطالع في كرات الكريستال وفناجين القهوة.

إن ما عرفته أوروبا الشرقية من ثورات على حكوماتها الشيوعية بعد أن لفظت الحرب الباردة آخر أنفاسها كان من باب الحتمية التاريخية و نتيجة مباشرة لسياسة التطويق التي نهجتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بغرض التصدي لإنفلوانزا المد الشيوعي تحسبا لتبعات نظرية الدومينو التي كان قد طرحها الرئيس الأمريكي الراحل دوايت أيزنهاور في خطابه التاريخي عن فياتنام سنة 1954. النظرية الإديولوجية التي أسست لمنظومة صناعة القرار الأمريكي السياسي والاقتصادي ثم العسكري فيما يخص تعاملها مع جنوب شرق آسيا وشرق أوروبا لما يناهز أربعة عقود. ناهيك عن تورط الإدارة الأمريكية، عبر وكالة الاستخبارات المركزية بطرق أقل من ملتوية وأكثر من مباشرة، في إشعال فتيل الاحتجاجات والثورات في دول ماوراء الجدار الحديدي. انطلاقا من هذه المرجعية التاريخية الأبجدية، لا يمكن أن تحتمل الثورات العربية منطقيا أكثر من مقارنة لفظية (ثورة في مقابل ثورة) مع ما حدث في أوروبا الشرقية.

أما التأكيد الاعتباطي الثاني، فيتعلق بكلام فارغ عن الاستثناءات، تروج له بروباغندا الدكتاتوريات العربية التي تنتظر دورها في طابور الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان، بدعوى أن رياح الثورات عنصرية وعواصفها انتقائية تجيد سباقات التزلج المتعرج بين الأقطار المتجاورة. بيد أن الرد على هذه الإيجابية العشوائية في قراءة الأحداث والتفكير الرغبي في حساب التكهنات، بالتذكير بما يوحد الشعوب العربية من شراكة في العقيدة واللغة والتاريخ والعادات والتقاليد، فإنه يتجاوز كونه لطفا في التعبير وإفراطا في الكناية إلى حد فقدان الذاكرة فيما يخص حقائق تاريخية ليست عنا ببعيدة. إذ أن كل تأويل لما حدث ويحدث وسوف يحدث في بلادنا؛ لا يأخذ بعين الاعتبار هشاشة الاختلافات وافتعال الحدود قدره أن يجانب الصواب ويقع في المحظور ويضع أرواح الملايين على كفة عفريت. لاسيما إذاما أصرت على صحته وسلامة منطقه الأنظمة العربية الاستبدادية. لكن يبدو أن هذه الأخيرة تصر على السهو والنسيان كلما تعلق الأمر بما يجمع شمل العرب ويوحد كلمتهم. إذ لا يجب أن نعود إلى أبعد من القرن السادس عشر، لنكتشف أن إشكالية الحدود دخيلة على العالم الإسلامي. أقحمها السلطان العثماني سليمان القانوني لحل الصراع التركي-السعدي بفصل إيالة المغرب الأوسط عن المغرب الأقصى. كان هذا قبل أن تستعمر فرنسا الجزائر و تتعمد أن تترك حدودها الغربية ضبابية ومبهمة في بنود اتفاقية للا مغنية (18 مارس 1845) عقب هزيمة الجيش المغربي البدائي بأسلحته المتحفية في معركة إيسلي (14 غشت 1844)، ثم في بروتوكول باريس (20 يونيو 1901) تمهيدا لاحتلال المغرب. كما كان هذا قبل أن يخرج ونستون تشرشل المملكة الهاشمية من قبعته ويخط حدود الأردن المعروفة (بعطسة أو فواق تشرشل) مقتطعة من مساحة العربية السعودية، في أصيل يوم أحد بالقاهرة بعد وجبة دسمة، كما يروي السير البدين بتهكمه البريطاني هذه النادرة استصغارا منه لقيمة هدية لم يدفع ثمنها من جيبه يقدمها للأمير عبد الله الأول.

 

في ختام هذا الحديث المنفعل عن الصبر والحدود، لا بد من الإشارة إلى أن روابط القرابة متصلة وصلات الرحم موصولة بين المغاربة والجزائريين ممن يعبرون الحدود البرية الموصدة على الورق في كل يوم. كما أن قبائل البدو في السعودية والعراق وسوريا ما فتئت تتجاهل على مدى التاريخ القصير وعلى امتداد الصحراء الواسعة عطسات تشرشل وكحات لورنس. كما أستسمح رسل الاستثناءات في أن أكذبهم وفي أن أصدق -مع المغرر بهم- خاتم الأنبياء عندما يقول (ص) إن (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.)

 

http://gibraltarblues.blogspot.com


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات