بقلم طارق جبل
الانتخابات التشريعية على عتبة الباب. ولا عاقل يشكك في أنها ستضرب مثلا بلوريا في النزاهة والشفافية تتداول سيرته الأجيال من بعدنا، وتتبع به الجدات عبارة (كان يا ما كان) المكرسة في حكايات ما قبل نوم أحفادنا. اطمأن الشعب على حاله بعد أن اكتملت صفات الدستور "الزوين" الحسنى، وتم التقطيع الانتخابي وعجن اللوائح في مطبخ العارفين في وزارة الاختصاص. لكن تصوف الموظفين السامين أبى أن يقنع بمقام الاطمئنان في نفوس المواطنين، فأراد أن يرتفع بها إلى مرتبة النيرفانا الديمقراطية. صورت الإدارة البطاقة البيوميترية على أنها جوكر يعفي من شهادة الحياة وقدر الموت ويضمن الحق في التعليم والصحة والشغل والعيش الكريم. وعرض أحد المخترعين مشكورا على سعيه صندوق العجائب على المقترعين. والحق يقال أن هذا الصندوق هو بالضبط ما كان يعوز الديمقراطية في المغرب، بل وفي أكثر الدول تقدما وأعرقها دمقرطة. الصندوق معجزة تكنولوجية. يقفل برقم سري يودع في حساب سويسري، لا تسرقه عصابة علي بابا ولا تنفع معه لا نوادر جحا ولا (افتح يا سمسم). ينطق ليهمس في أذن الناخبين ثمن أصلح المرشحين، بالموعظة الحسنة يرشد التائهين وبصدمات كهربائية خفيفة يعزر المعارضين.
ضحكنا كثيرا من إضافات التكنولوجيا المتطورة في التخلف وخطاب الدولة المزدوج باللغة الكريبتونية التي لم نأخذها في يوم من الأيام على محمل الجد. وانزعجنا قليلا من الإصرار على التعامل مع رغبة الشعب الملحة في إصلاحات جذرية عاجلة ومتابعة حقيقية للمفسدين، بشعارات فضفاضة وصدى كلام فارغ ووعود واهية ونوايا حسنة تؤكد أن الاستحقاقات القادمة ستكون سابقة في تاريخ المغرب بنزاهتها وشفافيتها...في اعتراف ضمني ساذج النية بسلسلة دهرية من التزوير والتلاعب بأصوات الناخبين. لكن ما يثير الحنق ويستفز العقل هو تعويل الأحزاب التي لم تعد تستحي من نفسها على أن يكون المغاربة قد فقدوا الذاكرة تماما. يتوهم حزب الاستقلال أن ملفات الفساد الإداري والمحسوبية والرشوة المتراكمة تفاصيل واهية. وقد يكون محقا في وهمه، لأن تغليب كفة مافيا البورجوازيين الانتهازيين على حساب مصلحة "سواد من الرعاع في منطقه" لبنة أساسية في بناء الحزب. ولأن خيره سابق في بيع استقلال المغرب في سوق البرغوث في إيكس ليبان مع الخونة وبيادق الاستعمار، قبل أن تتكلف ميليشياته بتصفية عناصر جيش التحرير وفلول المقاومة بعيد جلاء الفرنسيين بعد أن اطمأنوا على أن مستقبل الضيعة المغربية في أيادي أمينة مغسولة الدماغ فرنسية الولاء. أما يسار الكافيار فيتخيل، بعد أن فقد ماء وجهه، أنه ما زال قادرا على تخدير الناس بأفيون المونولوجات الرنانة عن إرادة الجماهير الشعبية وحتمية الصراع الطبقي. فيما تحلم طوائف وأحزاب أخرى بملء الفراغ وتبني شعب يتيم تريد أن تقنعه بأن يجرب وصفة بديلة كما تصدع رؤوسنا إعلانات التلفزيون باقتناء سلعة جديدة.
مهزلة التكنولوجيا في خدمة النكتة. الأكاذيب منسوجة بخيط أبيض. النفاق السياسي عرف ضارب في التاريخ. الأوهام الأدبية كوميدية. الخيال العلمي واسع. وردية الأحلام اختيار وارد. ولا ضرر في هذا ولا ضير في ذاك، لولا أن بعض الناس يبدون عاجزين على أن يفرقوا بين حنظل الواقع وسيناريوهات الأفلام الهندية.
قد نجد تفسير هذا التصرف على غرابته في سيكولوجيا المواقف، التي أوضحت بما لا يدع مجالا للشك مدى تأثير المتغيرات الظرفية على السلوك البشري. حيث أثبت آش سلمون فيما يعرف (بسلسلة تجارب الامتثال) أن قرابة % 65 من المشاركين ينحازون بشكل غريب لرأي الجماعة عندما تتعمد الخطأ في أمور قد تكون بسيطة وبديهية. كما تأكد من أعمال ستانلي ميلغرام المشهورة (بتجارب الطاعة) أن نسبة مطابقة (% 65) تطيع السلطة طاعة عمياء دونما اعتراض حتى عندما تكون جائرة ومتعسفة. فكان من بين النتائج التي استخلصتها هذه المدرسة المتميزة في علم النفس أن البشر قد احتفظوا في بعض سلوكياتهم بعقل الزواحف البدائي الذي كان يجبلهم على طاعة الزعيم (الفحل ألفا) أيام العصر الحجري...
وقد تكمن الإجابة في تفشي الأمية التي لن نبالغ إذاما قدرناها بنسبة % 65 للضرورة الشعرية...
كانت هذه الأفكار ومثيلاتها تدور في رأسي في حلقة مفرغة بعد أن سرحت في أحلام اليقظة، عندما تذكرت أحداث الدار البيضاء في مارس 1965، فمنيت نفسي بألا يعيد التاريخ نفسه...ثم استيقظت من أحلام (الفحل ألفا) وانتبهت من استرخاء (حالة ألفا) على صوت زوجتي التي كانت قد وقفت خلفي وقرأت ما كتبته من وراء ظهري: "إذا لم ترح بالك من الكلام الفارغ وتنه نفسك عن الخوض في مثل هذه الخزعبلات، فإن تركيز السكر في دمك هو الذي سيتعدى 65 غراما في اللتر الواحد."
http://gibraltarblues.blogspot.com
