غلاء المعيشة يؤجج الغضب في المغرب الكبير

غلاء المعيشة يؤجج الغضب في المغرب الكبير

احسيسن محمد* من فيينا

ما نراه يجري الآن على الساحة العربية وخصوصا في منطقة شمال افريقيا ما هو في الحقيقة الا نتيجة لحقبات طويلة من المعاناة والإحباط  لشباب فقد كل ثقته في حكامه، والذين قد أصبح همهم الوحيد هو مضاعفة وتكديس الثروات ونهب خيرات الوطن على حساب المواطنين، فكيف يعقل أن تغادر حاكمة تونس البلد بما يزيد عن طن ونصف من الذهب؟

قبل ثلاث سنوات اندلعت مظاهرات واحتجاجات في عدة عواصم دول العالم تندد بارتفاع أسعار المواد الغذائية بسبب جشع المضاربين بالبورصات العالمية وتحويل مساحات شاسعة من الأراضي لزراعة منتوجات  فلاحية معينة لتحويلها الى وقود.

هاهو اليوم يعاد السيناريو من جديد، حيث نلاحظ أسعار المواد الغذائية الرئيسية كالقمح والزيت والسكر في ارتفاع مهول، الشيء الذي قاد بالضرورة الى اشعال فتيل الثورة في كل من تونس والجزائر، وهاهي اليوم مصر تدفع الثمن ، والثمن باهظ حتى العجز.

أما المستقبل فإنه يحمل بلا محالة في طياته مفاجئات خطيرة قد تهدد أمن واستقرار المنطقة المغاربية على حد سواء، خصوصا وأن أسعار المواد الغذائية سوف تعرف ارتفاعا متزايدا لا مثيل له في المستقبل القريب، خصوصا وأن كميات هائلة من الحبوب قد تم اقتناؤها من طرف بعض الدول العربية ودولا أخرى ، كأندونيسيا وبنغلاديش لطمأنة شعوبها، ولمواجهة حالة الطوارىء ، والتي يمكن أن تحدث في أي لحظة ممكنة ، الشيء الذي سوف يقود الى تهديد المخزون العالمي من هذه المنتوجات.

فمشتريات الجزائر مثلا هذا العام من الحبوب تقدر ب 800.000 طن ، وحتى المملكة العربية السعودية فقد ضاعفت مخزونها من القمح، وهذا ما توضحه بعض الأرقام الواردة من الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تتزعم قائمة الدول المصدرة للقمح ، حيث ارتفعت نسبة صادرات القمح الى مليون طن أسبوعيا خلال شهر شتنبر السابق.

فباستثناء الولايات المتحدة، فإن المخزون العالمي من الحبوب يعرف تراجعا ملحوظا بسبب ارتفاع  حجم الطلب.

هذا الإقبال الملفت للنظر قد يدفع الدول المصدرة لتغيير استراتيجياتها عن طريق تقليص كميات صادرتها من القمح في المستقبل، وهذه فرصة ذهبية للمشاركين في لعبة المضاربة  في البورصات العالمية.

هذه اللعبة القذرة قد تثير شهية الطبقة الجشعة، والتي لا يهمها ملايين البطون الفارغة عبر المعمورة.

هذا اذا ما تم اعتبار أن أسعار الحبوب قد ارتفعت بنسبة 10 في المائة خلال شهر يناير السابق عما كانت عليه في نفس الشهر سنة 2008، حسب منظمة الأمم المتحدة للتغذية.

فالقاعدة معروفة وبسيطة للغاية:

ارتفاع حجم الطلب + تقليص حجم العرض  =  ارتفاع الآسعار

وانطلاقا من هنا، يتبين أنه كلما ارتفعت أسعار المواد الغذائية، سوف تزداد حدة وشدة غضب الجماهير، وقد رأيناهم في شوارع الجزائر وتونس ومصر حاملين شعار الخبز والسكر، أما شعارات مثل حرية الرأي والديموقراطية ، فقد أتت في الدرجة الثانية.

طبعا، فالمواطن لا يحيا فقط بالخبز.

فالدول العربية عموما قد أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى معنية بقضية امنها الغذائي، لآن 50 في المائة من المواد الغذائية حسب المنظمة الدولية يتم استرادها من الخارج، وخصوصا الحبوب، لأن هناك اختلال بين الإنتاج الفلاحي المحلي والإستهلاك، وهذا له بالطبع أسبابه:

•عدم توفر شروط ملائمة تساعد على النهوض بالقطاع الفلاحي ، كقلة التساقطات وفترات الجفاف التي تعرفها المنطقة بين الحين والآخر.

•عدد السكان في ارتفاع مهول ، الشيء الذي يتطلب مضاعفة الإنتاج المحلي لتوفير الأمن الغذائي لملايين المواطنين.

•معظم دول شمال افريقيا قد أهملت القطاع الفلاحي لعشرات السنين، حيث اكتفت بتشجيع انتاج الزيتون والعنب، معتقدة أن هاذين المنتوجين سوف يجلبان العملة الصعبة ، في حين تم تجاهل باقي الزراعات .

فمن خلال الرسم البياني التالي يمكن أن نفهم مثلا أن المواطن المغربي ، والذي يحتل المرتبة الثانية بعد المواطن النيجيري، ينفق 63 في المائة من راتبه أو مدخوله الشهري فقط لشراء ما يحتاجه من المواد الغذائية، وبالمقابل نلاحظ أن المواطن النمساوي مثلا لا تزيد نفقاته عن 19 في المائة من راتبه الشهري.

وانطلاقا من هنا، يتبين أنه كلما ارتفعت أسعار المواد الغذائية، سوف تزداد حدة وشدة غضب الجماهير، وقد رأيناهم في شوارع الجزائر وتونس ومصر حاملين شعار الخبز والسكر.

لكن السؤال الذي يمكن طرحه هنا بالمقابل هو:

هل يمكن للمواطن المغربي أن يدخر شيئا من راتبه ؟

الجواب سوف نتركه لمسؤولي الأبناك والمؤسسات المالية المغربية، و التي لا تتوقف عن التلويح وتشجيع المواطنين على الاستفادة من مزايا وفرص الاقتراض الممكنة بهذه المؤسسات.

هذه القروض التي تم ويتم تسليمها بدون مراعاة الشروط الموضوعية سوف تقود شريحة مغربية لابأس بها نحو الكارثة.

أما الرسم البياني الثاني ، فيمكن أن نفهم منه أن المغرب ينفق ما يزيد عن 2,1 من الناتج الإجمالي المحلي فقط  لاستيراد كل ما يحتاجه من مواد غذائية.

لكن لايمكننا حصر دوافع تحرك المواطن العربي عموما فقط كنتيجة لارتفاع الأسعاروغلاء المعيشة، لكن هناك بالطبع دوافع أخرى لا تقل أهمية عما سبق، ونذكر منها:

•سوء تدبير الشأن العام

•الرشوة والمحسوبية

•الاستحواذ على ممتلكات الشعب

•انعدام الخدمات الصحية والإجتماعية

•ارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب والحاملين للشواهد العليا

•تهريب كميات هائلة من رؤوس الأموال الى الخارج

•انحطاط المستوى التعليمي

هذه العوامل، والقائمة طويلة للغاية، قد ساهمت بشكل أو بآخر في اشعال فتيل الثورة.

*بتصرف  : عن جريدة ستندار النمساوية ( بتاريخ 19 بناير 2011) ص 4  Der Standard


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.