إلى من يسيء إلى نساء ورجال التعليم...

إلى من يسيء إلى نساء ورجال التعليم...

 

بقلم: لحسن أمقران

أقدم أحد الأساتذة مؤخرا على سلوك أرعن تمثل في تصويره لتلميذة يبدو أنها متعثرة دراسيا وهي عاجزة عن رسم العدد خمسة، وبكل موضوعية وتجرد، يبقى هذا السلوك ساذجا ومرفوضا ولا يمكن للمرء إلا أن يندد به ويشجبه لعلتين، أولاهما أنه يعتبر تشهيرا بالفتاة وقبل ذلك إحراجا لها وتهكما عليها أمام زملاء الفصل، وثانيهما أن مسألة التصوير لاتزال تثير نقاشات عمومية قوية حول سلامتها إن على المستوى الأخلاقي قبل الخوض في المستوى القانوني والتشريعي.

وللأسف، وصل هذا السلوك بصاحبه إلى أن يكون موضوعا ومادة دسمة لحملة شبه منظمة أوقدت نارها مواقع التواصل الإجتماعي، وانتهى به الأمر إلى كشف أموره وأوراقه الشخصية على الهواء، بغية استعطاف الإدارة ومعها الشارع بنية التكفير عن الخطأ الجسيم الذي صدر منه والصفح عنه، وضع كان ليكون زميلنا في غنى عنه لو أنه قدّر سلوكه حق التقدير.

من زاوية أخرى، لا يخفى على أحد أن مثل هذه المواقف بل وأسوء منها يقع في مؤسساتنا العمومية على اختلاف اختصاصاتها، فمشاهد السخرية والتهكم والاحتقار والشطط والألفاظ النابية والرشوة والإستغلال والتحرش يكون المرفق العمومي مسرحا  لها بشكل يومي، سواء في المؤسسة التعليمية، الأمنية، الصحية، القضائية، الإصلاحية والخدماتية، في القطاع العمومي كما في الخصوصي، حقيقة لا ينكرها إلا جاحد أو جاهل.

يفترض أن يعلم الجميع أن نساء ورجال التعليم كانوا في مرحلة من المراحل مصدر "إزعاج" للدولة، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى كونهم آنذاك يشكلون القاعدة الكبرى للطبقة المثقفة التي تنشد التغيير وتسعى إليه، أكثر من ذلك، فهي الفئة التي توغلت في أعماق الوسط القروي كما في المراكز الحضرية والتي يظل صوتها مسموعا مما يهدد مصالح نخب معينة.

 أمام هذا الوضع، ارتأت الدولة خلال فترة معلومة سن سياسة "حصار" تلجم به وعي وجرأة نساء ورجال التعليم، عبر مداخل ثلاثة:

·        الحصار الأمني: سعت الدولة خلال هذه المرحلة إلى شن اعتقالات في صفوف نساء ورجال التعليم وتقديمهم لمحاكمات، وكان يتم الإعتقال أحيانا من أبواب المؤسسات ترهيبا للزملاء وتشكيكا للمتعلمين في من يعتبرونه مثلهم الأعلى.

·        الحصار المادي: بعد أن كانت أجرة نساء ورجال التعليم من أعلى الأجور، تمت محاصرتهم  ماديا بشكل جعلهم يعجزون عن مسايرة إيقاع الحياة المادية، وبالتالي لجوئهم إلى القيام بأنشطة اقتصادية موازية ضدا على القانون، أو اللجوء إلى القروض، وحصر اهتماماتهم في الدرهم والدينار .

·        الحصار الثقافي: تم تشويه سمعة نساء ورجال التعليم بشكل تدريجي وماكر، وتم تسخير الإعلام لفبركة صورة سوداوية عن هؤلاء عبر التشهير المقصود بالحالات المرضية، نفس الخطاب نجده في الإنتاجات الثقافية خصوصا المسرح والدراما التلفزيونية وفن "الحلقة"، كما اعتُمد أسلوب التنكيت كتكتيك يعرف إقبالا جماهيريا منقطع النظير للنيل من سمعة وصورة نساء ورجال التعليم.

سياسة لا تحتاج إلى كثير ذكاء للوقوف على حقيقتها وأبعادها المتشعبة، سياسة أنتجت جيلا من المغاربة يكنون شعورا لاواعيا وعداء نفسيا مرضيا لنساء ورجال التعليم، فتجدهم يكدون ويجدون في السخرية منهم، ولا يفوتون أدنى فرصة للتشهير والإستهزاء بهم وفضح أخطائهم الكبيرة والصغيرة، وعد مساوئهم في الزلات والعلات.

وحتى نكون موضوعيين مرة أخرى، لابد من الإشارة الى أن سيدة أو رجل التعليم نفسه – وهو أمر طبيعي بالنظر إلى كونه جزء من المغاربة ضحايا سياسة معاداة هذه الفئة- يكرس هذه الصورة الإختزالية، إذ تجد السواد الأعظم يعيشون فصاما حقيقيا يتجلى في احتقارهم لذواتهم قبل مهنتهم، فيركنون إلى التكاسل والسلبية داخل محيطهم، فيقلصون آفاقهم العلمية والثقافية بل ويسدونها بشكل تام، ويجعلون المادة أكبر همهم، والمقرر الدراسي مبلغ علمهم، والتطاول في البنيان حلمهم.

لا أخفيكم سرا أنه حز في نفسي كثيرا أن تشن هذه الحملة الشعواء ضد نساء ورجال التعليم من تلامذة الأمس، حملة ممنهجة تزيد الطين بلة وتؤزم الوضع أكثر، فبدل فتح نقاش عمومي حول هذه السلوكات المرضية التي يواجهها المغاربة في مرافقهم ومقرات عملهم  بشكل علمي وموضوعي يتغيى الإصغاء إلى رجال علم النفس وعلم الإجتماع بشكل يسمح بتصحيح الأوضاع، شحذت جهات أسلحتها وكشرت عن أنيابها وأطلقت العنان للسب والشتم وإفراغ المكبوتات وتصفية الحسابات، في مشهد يبين وبالملموس أننا بعيدون كل البعد عن التناول الموضوعي للقضايا والتفكير العلمي الرصين في تعاطينا مع النوازل.

لقد كان على اصحاب ردود الفعل المتسرعة أن يتملكوا الشجاعة ويفصحوا لنا عمّا لحقهم ويلحقهم يوميا من أشكال الإمتهان في مؤسسات أخرى غير المؤسسات التعليمية، فنساء ورجال التعليم يبقون الحلقة الأضعف في مخيال هؤلاء، لذا يصبون عليهم سخطهم وينتقمون لضعفهم منهم، وعليهم يتجرؤون خوفا من غضبة رجال القطاعات الأخرى. ايها السادة كفوا عن التجني والإساءة إلينا وأنتم تعممون، فبتعميمكم للأحكام  تزرعون العبث وتحجبون حقيقة الحالات الخاصة.

رسالة أود في الأخير أن أبلّغها لزميلاتي نساء وزملائي رجال التعليم، فلتعلموا أن رسالتكم نبيلة، ومكانتكم مرموقة، وسعيكم مشكور، فتحلّوْا بغير قليل من الكبرياء والكرامة، افرضوا أنفسكم على أغياركم بالعلم والمعرفة، انتقدوا ذواتكم قبل أن ينتقدكم غيركم، انضبطوا في أعمالكم وأحسنوا إلى تلاميذكم، كفوا عن الإساءة إلينا كما يفعل المتربصون، تأكدوا أنكم لستم مثل غيركم، فأنتم تبنون أجيالا وآخرون يقيّمون أعمالكم فاحرصوا على إتقان ما أنتم عليه مستأمنون ولتحذروا من يتربصون بزلاتكم.

 

 


التعليقات

14

آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم

abo ayoub

السلام

تعليق 1

السي الفاهم بزاف كاع. راه "العدر اقبح من الزلة" او خلينا من الفلسفة ديالك.

-49

الرباطي

مجرد تعليق

تعليق 2

أصبت و كفيت ووفيت ياأخي هناك عقدة دفينة على أسرة التعليم و المتربصون الذين لا يفتحون أفواههم إلا عند أطباء الأسنان يجدون في الاستاذ الحائط القصير الذي يجتازه بسهولة بكل بساطة لأنه لا يبتز ولا يرتشي ولا يختلس لكن القافلة ستسير و ,,,,,,,,,,

33

ولد العياشية

على من تتقرا زبورك اداوود؟

تعليق 3

كلام في العمق لا يفهمه سوى رجال ونساء التعليم ،اما الآخرون فصم بكم لا يقشعون.الكلاب عوعو والقافلة تسير.

27

abdou

bien

تعليق 4

Sahih wa kalam jamiil

14

atouar

mowatina

تعليق 5

assalamo3alaykom ama ba3d fainna at3lim fi almaghrib chaya 3ajib fabissababi darba tala9ytoha min mo3allima tarakto ata3lim fisanat 1988 wallahi law raatha 3ayni alanna ladafa3at tamanan mindahriha kama darabatni adriboha wachokra

-7

حمد الله

المتعلم الجاهل

تعليق 6

جميل ما كتب ،ولكن لمن يوجه الكلام مادام رجال التعليم في صراعات فئوية ولا يهمهم الانخراط بشكل جدي في عمل سياسي يزلزل الأرض والسماء ..وفي انتظار الحوالة ستدور العجلة إلى حوالة أخرى ..وبينهما حسابات لاتنتهي ..

معزوزي

الي من يسيء الي رجال التعليم

تعليق 7

كل ما ورد علي لسان الكاتب اتمنه واخطاء معزولة يمكن ان تقع في اي قطاع فمعظم من يتقلدون مناصب عليا في البلاد تعلموا في المدرسة العمومية. و الدين ينتشون وهم يكيلون التهم الى رجال التعليم خصوصا في مواقع التواصل او الاداعات المسموعة.المعلمن هم من انتشلوهم من الجهل الي رحاب المعرفة و العلم. فادا اخطا ممرض او طبيب فكل الممرضين و الاطباء شرفاء الامن اخطا وكل شرطي او دركي اساء استعمال السلطة فكل الشرط و الدرك شرفاء الامن اخطا .فالتعميم حكم جائر وضالم مع العلم ان هناك قوانين ومحاكم هي التي لها الحق في الفصل.

17

لمهيولي

كانت الوزارة تجل رجال التعليم

تعليق 8

بعد النكسات التي عرفها رجال التعليم وبالخصوص هذه السنة بالتضييق عليهم وحرمانهم من حقوق مشروعة وذلك من وزارتهم التي كان من المفروض أن تؤازرهم وتدعمهم هانحن اليوم صرنا لقمة سائغة عند اللي يسوى واللي مايسواش متخذين قضية الأستاذ صاحب الفيديو مطية ليصبوا شتائمهم وينفثوا سمومهم على رجل التعليم وكأن صاحبنا قاتل بالتسلسل أيتم أطفالا ورمل نساء.بلا شك إنه الحسد الذي يملأ نفوسا مريضة والحمد لله التعليم هي المهنة الشريفة التي لانمد فيها أيدينا لأحد ولا نتملق لأحد كل جهد نبذله هو لوجه الله ولخدمة الوطن ولنشر المعرفة بين هذه الأجيال التي ستكون مغرب الغد

HASSAB

BIEN DIT

تعليق 9

BIEN DIT

mourad

ostade hachake !!!!

تعليق 10

okssim bilah anani nadimto 3ala al yawme ladi dakhalto ila hada AL MAYDANE saraha mihna modi la lisahibiha bkina onasse hachake yonakito 3alayna kolo man haba wa daba ,,,saraha nokta s3iba bi johaliha wa wa kawaniniha al mojhifa,,al kolo tawake ila stibdale hadi al mihna aw tarkiha bi taka3ode nisbi offfffffff min hadihi al mihna a

معلم

رجال ونساء التعليم وقعوا في الفخ الثلاثي

تعليق 11

ان تحليلك للوضعية الراهنة لرجال و نساء التعليم جد صائب كلامك جميل منطقي موضوعي... اصبحنا نلهث وراء الدرهم و لا نهتم بالمعرفة والعلم والاجتهاد في العمل و الابداع

شمعة

ما شاء الله

تعليق 12

تكلمت فأجدت وجادلت فأحسنت وقلت بإخلاص ماترى أنه الحق وفقك الله

aicha

تعليق 13

a3azaka LLAHOU oustadouna.wamin khilali ta7lilati lita3li9at;itada7a li anna man youkinou 7i9dan dafina 3an rijali ta3lim houm abna2ouna;man 3alamnahoum 7ata tamakanou mina lkitabati wata3bir. jazaka LLAHOU khayran.fala you7issou bimou3anati l2oustadi illa man youmarisou lmihna.(ya9ol lmatal dariji:ligal l3sida barda ;i7et fiha iddih)al 9afilatou tamoro walkilabou tanba7. yadonouna anahou bihada l2ousloub,sayaj3louna sikina fi 3ono9ina linastaslima lahoum:hada lan yakouna abadan;samidoun .

\عبدو

شيء غريب

تعليق 14

عندما خاطب الوزير السابق تلك التلميذة في مدرسة ما بمراكش: انتي ما خاصك غير الراجل..... ما كانت ردة فعل هؤلاء الكلاب التي تنبح؟؟؟؟

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.