متى تنعتق إدارتنا من قيد " كًولو العامْ زِينْ " ؟!
عبد اللطيف مجدوب
خلفية عامة
منذ ثلاثة عقود ونيف ؛ زمن صولات وجولات المرحوم إدريس البصري ، الذراع الفولاذية للمرحوم الملك الحسن الثاني في وزارة الداخلية ؛ خيمت على المغرب ظروف سياسية دقيقة ، اتسمت بالحدة وتكميم الأفواه ، ومصادرة بعض الحريات ، وتكسير شوكة كل صاحب قلم يروم الجهر بالحق والصواب .. وهي فترة عصيبة وسمت تاريخها " بزمن الرصاص " ، لعل أبرز المعاول التي اشتهرت بها (وما زالت) " مقص الرقيب " الذي كانت تشهره أم الوزارات حينها في وجه الإعلام عموما والمكتوب منه خاصة
ظهور سياسة " كًولو العامْ زِينْ "
من المعلوم أن البصري ؛ وتأكيدا للثقة في مضاء أجهزته ؛ اجتمعت بيده وزارتان الداخلية والإعلام لضبط إيقاع الشارع المغربي وبعض أنشطة مكونات المجتمع والهيئات النقابية والحزبية .. هذا فضلا عن تشديد الحصار على المغرب من قبل منظمات وهيئات حقوق الإنسان الدولية ؛ فكان ملف حقوق الإنسان والحريات العامة أبغض سؤال إلى الحسن الثاني في ندواته الصحافية الشهيرة ، ومن ثم أعلنها وزير الداخلية آنئذ حربا عشواء على كل التقارير المتداولة ، والصحف التي تنتقد السياسة المغربية في قطاع ما ، فتم تقزيم دور الأقلام في "التلميع" وتجميل الصورة مهما كانت جوانبها الخفية ، وظهرت ؛ في أعقابها " سياسة أو بالأحرى قيد : كًولو العامْ زِينْ الذي يعني لجم الألسنة وعدم السماح لها بقول إلا إذا كانت تكيل الثناء والمدح ، وتتغنى بالرخاء وإتاحة الحريات لدى المغرب والمغاربة .
وكان من تداعيات هذا التضليل السياسي حضور هاجس تجميل الصور ، من خلال التقارير الإدارية المحلية والإقليمية والمركزية ؛ والتي تستهدف كل القطاعات الحيوية . فتقارير قطاع التعليم ؛ على سبيل المثال ؛ تحريرها وإرسالها إلى الإدارة المركزية ـ الوزارة الوصية ـ تمر من بوابات أو بالأحرى غرابيل متعددة لتنتهي إلى الصورة النهائية والجميلة ، التي لا تثير أية حساسية أو استفهامات مبطنة ، وإلا كان مصيرها "سلة المهملات" واستعاضتها بأخرى ولو مختلقة أومصنعة . وقد لازم هذا الإحساس كل المرافق الإدارية التي تختزل أنشطتها في صورة تقارير دورية ؛ امتدت جذورها حتى إلى الانتخابات ، والامتحانات وظروف إجرائها واجتيازها ، إلى درجة أن المقرر " كاتب التقرير " كان يستهل أو يختم تقريره ومحضره بعبارة " ... لقد مرت في ظروف جيدة .. طبعتها روح المسؤولية .." ، مستثنيا كل العناصر التي قد تخدش "نقاوة" التقرير أو المحضر . فالمسؤول ؛ ومن أي موقع ؛ في إدارة محلية أو إقليمية كان يمارس على نفسه " الرقابة الذاتية " Self-censorship .
تداعيات " كًولو العامْ زِينْ " على تدبير الشأن العام
إن سياسة تدبير الشأن العام ؛ محليا كان أو جهويا أو مركزيا ؛ تعتمد على رصد الواقع كما هو ، وتحديد أولويات التدخل كمدخلات .. ثم اقتراح العلاجات الممكنة ، والتي تتوافق ؛ أحيانا ؛ مع الإمكانيات اللوجستيكية والتمويلية . ورصد الواقع كهذا يستدعي دراسة علمية للمعطيات والإجراءات الواجب اتخاذها ، فأي خلل أو ارتجالية في هذه الدراسة تنجم عنها عادة نتائج وخيمة ، وأحيانا كارثية . مثال بناء الجسور وشق الطرق ، ومد أنابيب المياه ، وتشخيص راهنية قطاع ما . فإذا كنا بصدد تشخيص خارطة الأقسام متعددة المستويات ؛ في التعليم الأساسي ؛ على الصعيد الوطني ؛ فالأمانة العلمية تقتضي منا تجميع التقارير الجهوية ، وإعادة صياغتها في تقرير تركيبي مرقم ومتمفصل Spindle ، صريح من غير تزييف أو اختلاق أو ارتجالية ، وإلا كانت هناك هوة سحيقة بين واقع التقرير (الخريطة) والواقع الميداني ؛ مما تترتب تنه مخرجات سلبية تظهر بالخصوص في سوء التخطيط ، وارتجالية التوقعات ، والانتظارات .
أما انعكاساتها على مستوى السياسة الخارجية فتتمظهر ؛ اساسا ؛ في فقدان المنظمات الدولية الثقة في الأرقام التي يقدمها المغرب ، وتقاريره أو التحفظ بشأنها ، هذا عدا إحجام الاستثمارات الأجنبية عن المغامرة والقبول بالتنافسية البريئة داخل المغرب .
حتى دبلوماتنا لم تسلم !
لدى العديد من الجامعات والمعاهد ومراكز التكوين في بلدان أوروبا وأمريكا ؛ تعتبر "الدبلوم المغربي" غير كاف للولوج إلى الدراسة أو التوظيف ، ما لم يكن مستتبعا بفترة تكوينية تنيف عن سنة ، وهذا أحد الدواعي لاحتلال الدبلوم المغربي رتبا متدنية من حيث المصداقية والجودة على المستوى العالمي ، كما تشهد بذلك تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة UNESCO .
