حزب المصباح، التحكم والتكتيك الانتحابي في صيف 2016؟
الحسين بوخرطة
المتتبع يوميا للحياة السياسية المغربية، لا يمكنه أن لا يثير مسألة الغموض الذي يكتنف المسار الديمقراطي بالبلاد، غموض فرضه دفاع كل تيار من التيارات السياسية الوطنية بشكل منفرد على موقعه السياسي في سياق يسوده ضعف الثقة ما بين الأحزاب المتنافسة، سياق تخللته بشكل دائم ومستفز تعبيرات من هنا وهناك تعترف بالحضور السياسي القوي للدولة، ومحاولات من هذا الطرف أو ذاك إقناع هذه الأخيرة أن حجم المكتسبات لا يستدعي الحاجة اليوم في الاستمرار في الاستثمار صناعة التحكم. إنها خطابات، مرتبطة بهواجس "التموقع" كما سبق أن أشرت إلى ذلك في مقالات سابقة، ويغلب عليها الحذر والتعبيرات المختلفة والمتنوعة التي تعطي الانطباع وكأن هناك يقظة وترقب يميزان العمل الحزبي ببلادنا.
لقد وصف الرباح، وزير النقل والتجهيز، حزب "البام" وأمينه العام المناضل اليساري إلياس العماري بالثعبان، وحذر من وصوله إلى مؤسسات الدولة، مذكرا أن أولويات حزبه هي مواصلة الإصلاح ومواجهة التحكم والفساد والاستبداد.... في نفي المداخلة، فرض عليه التكتيك، وربما الخوف لمآل المشهد السياسي ما بعد 7 أكتوبر 2016، أن يوجه رسالة إلى كل الأحزاب المعروفة بدون تمييز مستثنيا بطبيعة الحال الاتحاد الدستوري (غريمه في جهة الغرب الشرادة بني احسن) و"البام" (المنسوب إليه كونه آلية سياسية لفرض التحكم). لقد ذكر الرباح بالاسم كل من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب الاستقلال، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، والتجمع الوطني للأحرار، مؤكدا أن حزب المصباح ما يزال على عهده في العمل والتنسيق مع هذه الأحزاب دون غيرها.... ليكون بذلك يلوح لحكومة "ائتلاف وطني"، مكونة من الأحزاب المذكورة أعلاه، يقودها حزبه على أساس نتائج الاستحقاقات المقبلة..... لقد تجاهل الرباح في كلمته أن بعض الأحزاب التي ذكرها لا تحتكم إلا بمنطق الدولة ... وأن الوضوح الإيديولوجي ما بين مكونات خلطته التكتيكية قد تعصف بها الرياح، لتحل محلها خلطة بديلة يقودها "البام" بأطروحة الأصالة والمعاصرة وتحديات الألفية الثالثة في مجال الثقافة وحقوق الإنسان الكونية.....
في نفس الآن، يذكرنا القيدوم والمجاهد عبد الرحمان اليوسفي بمقومات الوطنية وحب الأوطان وقيم الإعلام والنبل السياسي في لقاء الاحتفاء بالصحافي والمفكر محمد الباهي بمناسبة ذكرى وفاته العشرين.... بعد الاحتفاء بالذكرى 50 لاختطاف بن بركة، يعود مؤسس ومبدع مسار "التناوب التوافقي" بعد شهور للاحتفاء بالباهي. بهاتين التظاهرتين، المختلفتين في المضمون وطبيعة الحضور ومكان التنظيم، وجه اليوسفي رسالة قوية لمن يهمه الأمر، وكأنه يريد أن يقول للفرقاء السياسيين : "إلى أين أنتم ذاهبون"، لتكون رسالته المشفرة هو إبراز الفرق في النضال ما بين الأمس واليوم. فالباهي، أكبر المعارضين لنظام المرحوم الحسن الثاني وصاحب رسالة باريس، عبرت مواقفه السياسية عن مناعة كبرى ضد التغرير، مناعة جعلته يرفض الهدية التي قدمها له بومدين على صحن من ذهب لرئاسة الجمهورية الصحراوية بواسطة رسالته المشهورة "لا تجعلوا لينين موظفا عند فرانكو".
وكما سبق أن أشرت إلى ذلك في مقالي السابق، بن كيران لا يكل ولا يمل من بعث رسائل إلى الدولة معبرا كون حزبه الأجدر بثقة القصر وأنه لا يقف في مصاف المطالبين بالملكية البرلمانية.... في نفس الآن نجد إدريس لشكر، يتوخى الحذر، متحدثا عن "القطبية المصطنعة"، وعن"الكارطة المتيكة"، وعن كون الدولة لا زالت غير قادرة على استيعاب تشكيل "قطبية حقيقية". لا زال الكاتب الأول لحزب الوردة يستحضر ما سمي ب"الخيانة" التي ميزت الاستحقاقات الترابية السابقة..... ففي نظر العديد من المتتبعين حزب المصباح بأطروحته الإسلامية تحت شعار "العدالة والتنمية"، وحزب الجرار بأطروحة "التمغربيت" الإسلامية تحت شعار "الأصالة والمعاصرة" هما عرضان سياسيان يصنفان في مجال "التقليدانية" السياسية بالمغرب المستقل.... كما يتم ترويج من حين لآخر لفكرة كون عملية الإصلاح مستعصية بالمغرب حيث يتم استحضار تجربة عبد الله إبراهيم، وتجربة عبد الرحمان اليوسفي وتجربة عبد الإله بن كيران.... وهناك من يعتبر الوضع الحالي مجرد محطة احتباس سياسي ستتوج بانفراج يؤسس لمسار جديد ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة.... المغرب وطننا، وتطوير خصوصيته السياسية تهمنا، ومستقبله في مختلف المجالات هو مستقبل أبنائنا وبناتنا، فنتابع ونترقب؟؟؟
