أزمة التغيير والتنوير في العالم العربي الكبير
مصطفى الزاهيد
نظم مركز أفكار للدراسات والأبحاث في المغرب بتعاون مع مؤسسة هانس سايدل ندوة بعنوان " شهادات شبابية حول الحرية والديمقراطية"، وكانت هناك استمارة على النت تقترح على الراغبين في المشاركة أن يجيبوا على أحد أسئلتها، و التي حركت لدي الرغبة في التفكير في أزمة التغيير والتنوير في العالم العربي.
بنظري أنه في السياسة والفعل السياسي دائما هناك ممكنات للفعل، لكن في عالمنا العربي تعوزنا الإرادة السياسية، ورأيي هذا أبنيه انطلاقا من التمييز الهيجيلي بين مجال المجتمع المدني ومجال الدولة، ما وقع في عالمنا العربي هو إلغاء واستحواذ على مجال المجتمع المدني، بحيث صارت الدولة حاضرة في جميع المجالات، بل حتى في الفضاءات العمومية التي تعتبر حقا مدنيا، والتي هي مجالات للفعل المدني ولحركات التغيير من داخله كي تؤثر في صيرورات الفعل السياسي بدون عنف، لقد صارت الدولة اليوم تحتكرها وتوجهها عن طريق جمعيات موالية لها أو خادمة لبرامجها: ( مثلا الجمعيات التي تناسلت بمناسبة انطلاق مشروع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مثل...).
يجب أن نذّكر هنا أن الفضاء العمومي يجب أن يكون مجالا مفتوحا لا سلطة فيه تعلو على سلطة العقل والقدرة على استخدام الحجاج والحق في الاختلاف وإبداء الرأي والنقد، ولا يجب أن يملأ هذا الفضاء العمومي بفاعلين تابعين للسلطة أو تخلقهم السلطة، ولا يجب أن يكون موجها إيديولوجيا من طرف النسق السياسي، بل يجب أن يكون فضاء حرا، كما يجب أن يكون أفراده فاعلون ذاتيون يتملّكون تصوراتهم، ويوجهونها في الاتجاه الذي يخلق رأيا عاما، وقوة اقتراحية وفاعلة مضادة لإرادة الدولة ولهيمنتها، لأن الدولة في العمق غايتها الهيمنة، والمجتمع المدني يجب أن تكون غايته هي الحرية، وبين هذين المطلبين يكون التنوير حاجة ملحة، وهنا ألح على التنوير بمعناه العام، أي السياسي والثقافي، التنوير كفعل موجه نحو الخروج من حالة الحجر والوصاية والقصور التي تفرضها الدولة الراعية اليوم l'état pastoral - - وهي دولة تنظر لأفرادها باعتبارهم رعايا قاصرين يحتاجون للرعاية والرفق والتوجيه والوصاية وهي نقيضة لدولة الحق الديمقراطية-، إلى مرحلة جديدة تكون فيها كرامة المواطن وأمنه وحقوقه غاية للدولة أي السعي نحو دولة الحق.
بالعودة إلى تراث حركة النهضة في العالم العربي الكبير، وحينما طرح السؤال التاريخي: لماذا تأخر الشرق وتقدم الغرب؟ وهو سؤال فرضه الاصطدام بالحداثة وبجاذبيتها، وكذلك بالتقليد وبثقله ونكوصه وعوائقه، كانت الإجابات مختلفة، ورغم تباينها بين السلفي والليبرالي والتاريخاني، فقد كانت هناك محاولات جادة ألغت العنف في الجواب على الإشكال التاريخي/السياسي في عمقه، وانصرفت إلى تبرير دعواها استنادا إلى العقل والحوار، وهذا هو الأهم في هذه اللحظة التي كانت تمرينا عموميا على النقاش.
يجب التذكير أن هذه الفرصة التاريخية لم تلقَ الترحيب والدعم الممكنين من طرف السلطة الإدارية والسياسية والثقافية (الجامعات/مراكز البحث...)، بل الظروف الجيواستراتيجية والتحولات الإقليمية والدولية آنئذ أدت برجل
