الصبر والتحدي مفتاح الحياة

الصبر والتحدي مفتاح الحياة

عمر دغوغي

 

التحدي لا يعني الندية أو العداء أو المعاكسة أو الانفلات أو الخروج عن القانون والنظام أو المواجهة بهدف الحرب وتصفية الحسابات أو الانتقام أو التسلط أو الاستئثار بالمقدرات والثروات والسلطة إنما يعني العكس تماما بمبدأ الانسجام بمنهج الحياة الطبيعية والانضباط والانتماء للطبيعة والإنسان والسير بمسيرة الحياة الهادفة لسلامة الإنسان واستمرارية وجوده وعيشه بأرقى حالات العيش بحب وكرامة ورفاه. 

ومن التحدي يتجلى الإنتاج بأبهى صوره إبداعا وابتكارا وتميزا وكما ونوعا ليصب في سبيل رفعة الإنسان وسعادته ورفاهيته .

والتحدي قائم أساسا على حب الحياة والإنسان بدءا من الذات ثم المجتمع الإنساني عموما.

من لم يمتلك فلسفة التحدي وعلم التحدي ومنطق التحدي وإرادة التحدي لا يمكنه ممارسة فعل التحدي ومن لا يمارس التحدي لا يمتلك سلوك وخلق التحدي وبهذا يبقى إنسانا خائبا فاشلا هملا بائسا دون سقف الرقي المأمول ويبدأ التحدي علما ومعرفة وتجربة فردية من الذات. 

التحدي يبدأ في مواجهة الذات بردع الغرائز والشهوات ومقاومة الرغبة من اجل المتعة ذات الدافع الغريزي وأقوى الغرائز تؤدي مواجهتها لتعلم أقوى الدروس في التحدي وهذه الغرائز هي غريزة الجنس بالدرجة الأولى يليها غريزة الطعام بالدرجة الثانية وغريزة النوم ثالثا وغريزة التملك رابعا وغريزة التسلط خامسا.

والمقصود بردع الغرائز هو تنظيمها وضبطها بحدود حاجة الإنسان للبقاء على وجوده واستمرارية هذا الوجود بأفضل حال دونما تقتير أو إسراف أو منع أو إباحية وبمعنى تحكيم العقل والفكر الواعي بتنظيم سلوك الجسد ليتخطى عتبة الفطرة أو السلوك الغريزي الحيواني الطبيعي الموروث في جسد الإنسان من أسلافه نحو الفكر الراقي الواعي والإدراك الحسي لحقائق الأشياء بطبيعتها المادية الكونية لا بصورتها الوهمية

تنظيم الغرائز وضبطها بحاجة لوعي ومعرفة في تركيب الجسد والتفاعلات الفيزيائية والكيميائية والحيوية التي تحصل داخل الجسد لإثارة الإحساس بالرغبة والشهوة الغريزية كذلك يلزم إرادة بمختلف صورها كإرادة الفعل وإرادة التغيير وإرادة الصيرورة وإرادة النجاح وإرادة التطور وإرادة تحقيق الذات.

عندما يرتقي خلق الإنسان يتهذب سلوكه فيرتقى بشخصه جسديا وعقليا ووجدانيا إذ يكون بهذه الحالة متمكنا من ذاته واعيا لتصرفاته يغلب عقله على قلبه في كل خطوة يخطوها بحياته فلا ينجر وراء رغباته وشهواته ولا تتحكم به غرائزه ويكون بهذه الحالة أرقى وأسمى من مستوى فطرته أي انه أصبح بمستوى التحدي للبيئة والطبيعة من حوله لتأكيد وجوده وصنع حياته كانسان والإنسان هنا تعني الكيان الأرقى في الوجود.

هذا وبعد تجاوز مرحلة ضبط الغرائز ينتقل درس التحدي إلى مراحل اعلي حيث ساحات العمل والإنتاج والفكر والعلم والثقافة والفلسفة وهذه المراحل تقسم إلى قسمين حيث القسم الأول يركز على بناء الذات أي شخصية الفرد جسديا وعقليا وروحيا أو وجدانيا 

كممارسة الرياضة الجسدية التي تشمل تمارين القوة واللياقة والرشاقة والنشاط والرياضة العقلية التي تشمل الثقافة العامة والتعلم واكتساب المهارات الحياتية واقتحام الحياة وفعل التجربة والممارسة والتقنية وتمرين العقل على التفكير المتواصل والمتسع والراقي من اجل البحث والاستكشاف والابتكار والخلق كذلك ممارسة التمارين للنفسية أو الروح أو الوجدان على تبني الأخلاق الحميدة المثالية الراقية كالإرادة الحياتية والشجاعة والإقدام والمبادرة والانتماء والصدق والإخلاص والكرم والعطاء والحب والتسامح والنخوة والغيرة والتآلف الاجتماعي وذلك يتم كله من خلال ممارسة الحياة الاجتماعية بكل جوانبها واكتساب المهارة في ادراة الحياة الاجتماعية بالاندماج والانسجام الإنساني الطبيعي من اجل الذات ومن اجل الآخرين وفي مجتمع إنساني منسجم متكافل متعاون بعيش سليم وآمن وكريم وحر وديمقراطي وعادل. 

أما القسم الثاني من مراحل العمل والإنتاج والفكر والعلم والثقافة والفلسفة فتركز على بناء المجتمع أو المحيط الحياتي بالفرد أو الذات وهنا بهذه المرحلة يكون الفرد قد تخطى مراحل سابقة أهلته لخوض التجربة الحياتية الاجتماعية فهو بات يتقن الحياة كفن وفلسفة وممارسة وينتج فكرا وعملا متميزا يساهم بواسطته في صنع حياة مجتمعه كذلك أصبح لديه القوة الكافية بشخصيته جسدا وعقلا وروحا للمساهمة فعليا في سوق مركبة الحياة الاجتماعية العامة على طريق التقدم نحو أهداف حضارية سامية. 

وعلى هذا المنوال تتطور مراحل التحدي في التعلم والممارسة والفعل من اجل صنع الحياة وتطويرها توسعا ورقيا انسجاما مع قانون الوجود ونواميس الطبيعة.

فيكون التحدي والصبر هو الدم الذي يجري بجسد الحياة وهو جزء عضوي أساسي بها فيستمر التحدي من اجل الحياة وتستمر الحياة لتصنع التحدي كي يكون دافعا لخلق حياة جديدة متطورة راقية.

إذا لا معنى للحياة دون تحدي ولا حركة ولا فعل ولا إنتاج ولا حداثة ولا تطور وعليه فلا سعادة ولا هناء ولا رفاه للإنسان.

وان كانت هناك حياة فهي حياة ظاهرية قشرية تافهة فارغة من محتواها الفعلي وزخمها الطبيعي. 

حياة سقيمة كريهة مملة يكون بها الأمل مفقودا والهناء حلما والسعادة تصنعا والنجاح تملقا وكذبا والتطور كفرا والحداثة تمردا وخروجا عن المألوف. 

هنا وبهذه الحالة الحسية يكون التحدي مفقودا أو ميتا في شخصية الفرد وشخصية المجتمع والعكس يكون بوجود التحدي متحركا فاعلا قويا في شخصية الفرد وفي شخصية المجتمع.

وهنا يحضر في خاطري سؤال: ترى ما هو مستوى التحدي لدى الفرد ولدى المجتمع وما هو نوع التحدي لكل منهما في الواقع العربي ؟

على كل حال مهما كانت الإجابة فإنني أتمنى أن يلد التحدي في شخصية العربي ولادة سليمة طبيعية وان تكتب للمولود السلامة والنجاة ليعيش ويترعرع باجواء السلام والمحبة والتسامح والعدالة والحرية،والغاية كل الغاية من اجل صنع حياة جديدة تليق بالإنسان في واقعنا العربي.

فهل نمتلك الشجاعة لنرمي سلاحا القتل ونستبدله بسلاح التحدي من اجل صنع حياة أفضل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة