علاقة الإعلام بالإدارة العمومية المغربية
عبد الرحيم خروبي
تتميز الإدارة العمومية المغربية بانغلاقها وتحصنها داخل هيكلتها الإدارية المتحجرة والتي تتعامل بشكل سلبي مع المنابر الإعلامية بمختلف أنواعها سواء كانت هذه الأخيرة طرف في علاقة ثنائية تجاه الإدارة أو لكونها وسيلة مثلى للتحاور مع المحيط ،فعادة ما نجد العلاقة بين الإدارة ووسائل الإعلام عمليات شد وجدب واتهاما في الاتجاهين تحت السر المهني ومقابله الحق في الحصول على المعلومة .
لكن المؤكد أن كلاهما لا يستطيع العمل دون الأخر في جدلية يجب التحكم فيها بما يخدم الديمقراطية ويتماشى ومفهوم دولة الحق والقانون ،تاريخيا نجد أن الظاهرة الإعلامية والصحافية إرتبطت بشكل خاص إرتباطا بالحرية ،إلا أن العلاقة بينهما خضعت دائما لطبيعة العلاقة السائدة بين الدولة والمجتمع ،وقد تطرقت عدة مواثيق دولية لحرية الرأي والتعبير والحق في لمعلومة ،حتى الديمقراطيات العريقة والمتجدرة في التاريخ والمتقدمة لم تسلم من تعقد العلاقة بين الدولة والإعلام ،وإتسمت عموما بالصراع المستمر الذي غالبا ما كان المستفيد منه هو المواطن الذي يجد نفسه في برهة من الوقت متمكنا من المعلومة بكل تنوعاتها في ظرف زمني قصير مع بعض الاستثناءات ،أما في البلدان السائرة في طريق النمو كالمغرب على سبيل المثال فإن الإشكال يكون أكثر غموضا وضبابية نظرا لحجب المعلومة عن الإعلام زد على ذلك المراحل الصعبة التي تعترض الشخص طالب المعلومة إذا كان الأمر يتعلق بمجالات حساسة يصعب الإطلاع على أرشيفها أو معلومات تتعلق بقضايا معينة .
وفي المغرب يقر قانون الصحافة 77.00 الحالي في فصله الأول بالحق في الحصول على المعلومة إرتباط مع التنصيص الدستوري على حرية التعبير لا صيما في الفصول28 و165 من دستور 2011 ومع مصادقة المغرب على الاتفاقيات الدولية في هذا الشأن ،لكن الواقع يبرهن على تشنج العلاقة بين الإدارة والإعلام نظرا للزوايا المختلفة التي يرى عبرها كل طرف قضايا الشأن العام ويطغى فيها الصراع ومنطق الحسابات خصوصا أن الفساد الذي دائما ما طبع الإدارة امتد خلال السنوات الأخيرة لمؤسسة الإعلام والصحافة عندما أساءت هذه الأخيرة استثمار الطفرة الحقوقية التي عاشتها البلاد مؤخرا ،إذ أكدت التجربة استغناءها عن الموضوعية والمهنية في تغطية أكثر من خبر دون أي متابعة خصوصا في المواقع الإلكترونية التي لم تقنن بعد وظلت فضاء بدون رقيب في نقل الأخبار وبثها دون احترام للمصداقية والموضوعية وأخلاقيات المهنة.
فالإدارة غالبا ما تسترت وراء سرية المهنة خصوصا عندما يتعلق الأمر ببعض القضايا والملفات ،فإن الإعلام استغل الموجة ليضغط باتجاه تمكنه من المعلومة مما أدى لتسجيل عدة إنزلاقات تضر بالحيادية والموضوعية والاستقلالية المفروضة فيه ،وهي إنزلاقات التي كانت موضوع متابعات قضائية أحيانا بمقتضى القانون الجنائي بدل قانون الصحافة الشيء الذي أدى إلى تعميق أزمة الثقة الحاصلة بين المكونين ،ولذلك تعالت الأصوات للمطالبة بمراجعة الفصل 18 من قانون الوظيفة العمومية الذي يعطي للموظف صلاحيات واسعة في الحفاظ على المعلومة ،ونفس الشيء بالنسبة للفصل 187 من القانون الجنائي الذي يتطرق للأسرار الدفاع الوطني .
فأمام غياب رؤية إعلامية إستراتجية شمولية ومتنوعة تهم الإعلاميين والمدونين ،القطب العمومي ،الصحافة الحزبية ،والمستقلة والإلكترونية ،فإن المشهد الإعلامي المغربي يتماها وسط ضبابية التسيير وارتجالية القرار وغموض التمويل وفوضوية الإخبار ،وأضحى مسرحا لتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات والرفع من عدد المبيعات بالنسبة للصحافة الورقية وعدد الزيارات بالنسبة للمواقع الإلكترونية على حساب المصداقية والتحليل السليم ،ومن معالم الفوضوية تلك الضجة التي أحدثتها دفاتر التحملات القنوات الوطنية كمؤشر على صراع المواقع الذي يعرفه المشهد الإعلامي العمومي، فلغض النظر عن البعد الإيديولوجي لهذه الضجة فإنا تبرهن أيضا عن فوضوية كبيرة وعن عدم مأسسة القطاع بشكل هيكلي منسجم يجعله سلسا أمام الإصلاح والتطور .
