سؤال البناء الديمقراطي والتوازن الإيديولوجي والثقافي والتناوب السياسي بالمغرب؟

سؤال البناء الديمقراطي والتوازن الإيديولوجي والثقافي والتناوب السياسي بالمغرب؟

الحسين بوخرطة

 

المعروف أن تطور الممارسة السياسة في حياة الجيل الأول من النحب والمتتبعين في بلادنا في القرن العشرين ارتبط بالمدرسة والثانوية إلى درجة كان للقطاع التلاميذي أهمية كبرى في المسار النضالي للشعب المغربي. لقد كان مسلسل إنتاج النخب يبتدئ من المدرسة وينتهي بالجامعة في ارتباط وثيق بالأحزاب والتيارات السياسية المغربية. وكانت المؤسسات التربوية والتعليمية بعد الاستقلال مرتبطة أشد الارتباط بتطور العمل السياسي وخطاباته وصداه القوي وطنيا وإقليميا ودوليا. ومرت السنين إلى أن اختل هذا الامتداد لتصبح الجامعة بكلياتها معزولة عن المؤسسات التعليمية الأولى، لنعيش فيها اليوم بعض الظواهر الجديدة التي قد تتحول مع مرور الوقت إلى "أورام" مضرة بالخصوصية المغربية بشقيها السياسي والثقافي.

لقد قاد عبد الله إبراهيم الحكومة الحزبية الأولى ما بعد الاستقلال، وغادرها وصمت بدون أن يغادر البلاد ويهاجم نظامها السياسي. وقاد اليوسفي الحكومة الحزبية الثانية، وغادرها وصمت بدون أن يغادر البلاد ويهاجم نظامها السياسي. وبرز نجم حزب المصباح ما بعد دستور 2011. 

لقد جاء في كتابات المرحوم الجابري أن عباس المساعدي كان على صلة بزعماء الثورة الجزائرية التي انفصلت عن حزب مصالي الحاج، وبالثورة المصرية التي ألغت الأحزاب... لقد برز نجم المساعدي في جهة الريف من الناظور إلى الحسيمة كمناصر لإبراهيم الروداني بعد خروجه من السجن بسبب قضية شخصية في أكتوبر 1954... لقد كان المهدي بن بركة أبرز شخصية في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال الأكثر تشبثا بضرورة تقوية العلاقة بين المقاومة وجيش التحرير وحزب الاستقلال والنقابة... لقد واجه المهدي المساعدي (مدير معمل جافيل لصاحبه الروداني) عندما طالبه بالدعم المادي للمقاومة سنة 1954 بقوله :"نحن سياسيون ولسنا ثوريين"... لقد كانت الثورة الجزائرية والمخابرات المصرية تطالب جيش التحرير المغربي بالقطيعة مع حزب الاستقلال... لقد حرص بن بركة على التنسيق مع المقاومة المغربية وجيش التحرير في مرحلة مفاوضات إيكس ليبان... لقد تحدث الجابري عن ما أسماه "القوة الثالثة" وعن أفقير وكديرة وارتباطهما بباريس... وساد الحديث عن الأحزاب الإدارية لأكثر من ثلاث عقود .... وكان للخطيب دور ريادي في إدماج الإسلاميين المعتدلين في النسق السياسي الرسمي... وبرزت المؤشرات الأولية للانفتاح السياسي في بداية التسعينات... وقاد عبد الرحمان اليوسفي ما أسماه بالتناوب التوافقي.... وتحدث الجميع عن عبارة "مولا نوبة" وتحالف حزبي الميزان والمصباح سنة 2002.... وتم إحياء الحديث بعد ذلك عن مواجهة "الفاسيين" التي كانت سندا لخطابات الروداني والمساعدي... وأصبحت نخب ما سمي بالأحزاب الإدارية مجرد مكملة لحكومات ما بعد 1998.... وتأسست حركة لكل الديمقراطيين لشهور فقط وتحولت إلى حزب لنخب اليسار الراديكالي تحت شعار الأصالة والمعاصرة... وقاد قبلها المرحوم بنزكري ورفاقه ما سمي بالعدالة الانتقالية... وبرزت منطقة الناظور والحسيمة في المشهد السياسي المغربي... وبرز نجم حزب المصباح وعين بنكيران رئيسا للحكومة... وتفاجئ المتتبعون بإثارة أسطوانة قتل بن بركة للمساعدي من طرف شباط.... لقد خرج شباط من حكومة بنكيران... وساد الحديث عن الخيانة في الانتخابات الترابية الأخيرة.... وبرز مؤخرا مصطلح "التحكم"... وتم إلغاء مقاعد برلمانية استقلالية... وساد الحديث عن الاستعمال السياسي للمجلس الدستوري... وهناك من تحدث عن ما يسمى ب"البوز" السياسي لصالح حزب الميزان... لقد برأ إدريس لشكر بنكيران من دم عمر، وربما يوم الحسم في ملف اختطاف واغتيال بنبركة قد يكون قريبا.

على أي، لقد برز نجم العدالة والتنمية في سياق تطور سياسي تاريخي زاخر بالأحداث... وضعفت الطبقة العاملة واختلت العلاقة ما بين الطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة تحت ضغط الحاجة للإصلاح المالي للدولة... ولا زال الشعب المغربي ينتظر المستجدات في شأن اقتراب أجل تأسيس التناوب الديمقراطي على أساس فكري إيديولوجي.... وبرزت الحاجة إلى تقوية العلاقات الدبلوماسية بشقيها السياسي والاقتصادي مع الغرب.... 

والكل ينتظر حق الشعب المغربي في التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي على أساس تباين إيديولوجي بناء، نستحضر أن الشهيد بن بركة لم يبخل بعلمه وهو أستاذا للمرحوم الحسن الثاني، ونذكر أن بروز نجم هذا الزعيم على المستوى الدولي تحقق وحضوره بالمغرب لم يتجاوز السنتين في ظرف خمس سنوات قبل اختطافه... وقد برر المهدي اغترابه دائما بخوفه عن تصدع العلاقات ما بين الإخوة أو ما يسميه ب"لخوت".... 

والمغاربة ينتظرون تطورات 7 أكتوبر القادم، نلامس هنا وهناك انتظارات تعبر عن الحاجة إلى تجاوز تصفية الحسابات السياسية التاريخية، ليتحقق التناوب السياسي بسلاسة تقوي الثقة ما بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني إلى درجة تمكن من ترسيخ الحديث عن مؤسسات الشعب المغربي واندثار عبارة "الدولة العميقة" التي يتم ترويجها كلما ضاق الأفق عند هذا الطرف أو ذاك... 

لقد أصبح الإجماع الوطني في شأن القضية الوطنية أكثر قوة وانسجاما... ولم يعد ما يبرر إثارة الأوهام السياسية ... فتشكيل حكومة ائتلاف وطني بروح وطنية في صالح الشعب المغربي في العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين قد تكون خيارا مقبولا كيف ما كان الحزب الذي يقودها... أما تحقيق التناوب السياسي على أساس إيديولوجي في الاستحقاقات البرلمانية القادمة فسيكون إنصافا للتاريخ وانتصارا للوطن.... إنه الموعد الذي ينتظره كل المغاربة ليقولوا بصوت واحد للباحث الأمريكي المتخصص في آليات السيطرة السياسية والمساءلة الديمقراطية والتغيير الاجتماعي، تيل بروكنر، أن مسار البناء الديمقراطي بالمغرب بخير وذا مصداقية، وأن الخروقات السبع التي أثارها مجرد فرضيات قد تفندها التطورات في المستقبل القريب.

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة