حدث في رمضان.
الحسين أربيب
لن اتحدث عن المشاهد الدينية وما يصحبها من تعلق الروح بخالقها وكيفية تهذيبها لمزيد من التقوى فتلك مهمة علماء الدين ،لأنني لا أمتلك القدرة العلمية ولا التخصص الذي يسمح لي بذلك ، ولكن سأحاول تسجيل مشاهداتي خلال شهر رمضان لسلوك الناس في العمل والشارع وعند الاسترخاء في المقاهي ومعالجة مشاكلهم ونزاعاتهم سواء في الأسواق أو في الإدارات وفي جميع نواحي الحياة العامة . إن أول ما اثار انتباهي هو تصاعد الإقبال على الاستهلاك في رمضان بشكل تصاعدي مع مرور السنين ، بالرغم أن الوضع الاقتصادي بصفة عامة في تراجع وذلك له أثر سلبي على مصروف الأسر وعدم قدرتهم على الادخار وتلبية الحاجيات الضرورية كالتمدرس والتطبيب ، دون الحديث عن برمجة الخرجات في نهاية الأسبوع أو العطل السنوية التي لا تجد في غالبية الأسر المغربية سبيلا، ولا حتى التفكير فيها ، اللهم ما يحدث من النزول ضيوفا على الأقارب المقيمين في المدن الشاطئية وما يترتب عن ذلك من ضيق في المجال وثقل على ميزانيات العائلات المستقبلة . في هذا الشهر المبارك يتزايد الإقبال على المعجنات من حلوى وأصنافها المختلفة بشكل هستيري وكأن نهاية ما أو حربا ما على وشك الاندلاع ، ذلك أنك ترى الناس نساء وٍرجالا واقفين في صفوف لا تنتهي لاقتناء الحلوى ، وترى البائعون يتعاملون بنوع من التعالي مع هؤلاء الزبناء الذين لو فكروا برهة واحدة لما وقفوا ينتظرون الحصول على نصف كيلو من حلوى لن تزيده شيئا بل قد تكون سببا في زيادة وزنه وإصابته بجميع الأمراض التي تترتب عن تناول السكريات بكثرة في شهر رمضان.
وهذا اكيد يدل على تغيرات عميقة في تركيبة المجتمع المغربي وخاصة ربات البيوت اللواتي كن خلال هذا الشهر الكريم يجدنه فرصة لصقل مهاراتهن في صنع الحلوى وأشهى الأكلات مما يزيد الروابط الأسرية وتقليص المصاريف وتمضية الوقت فيما يفدهن ،عوض قضاء الوقت في صفوف الانتظار للتسوق وكل ما يجر ذلك من مشاكل التحرش والنزاعات وكذا التعرض للسرقات والاعتداء. أن المجتمع المغربي يتجه نحو الاستهلاك بشكل مريع خاصة وان إمكانية وجود بدائل مثل الاستغناء عن بعض المواد التي لا تفيد الجسم وليست ضرورية كما يمكن إعدادها في المنزل وتعليم الأبناء على ذلك مما يدخل في مهمة الأم كمربية للأجيال عوض ترك الأطفال في الدروب والطرقات يتعلمون كل السلوكيات الشائنة والمفلسة ويخلق لديهم نمطا من الحياة غير المنظمة. فهل الطفل له قدرة السهر خلال رمضان ؟إنها مشاهد نراها من مجموعات الأطفال في الأحياء الشعبية في أوقات تصل حتى السحور ، ولما تستفسر الآباء عن تلك الظاهرة يجيبون بنوع من الدفاع عن موقفهم الخارج عن الإطار التربوي أن ذلك يعود الى انعدام فضاءات لتحرك الأطفال ، في حين أن العقل المفكر الذي يستوعب المخاطر التي سوف يتعرضون لها هؤلاء الأبرياء من فلذات أكبادنا هو الذي لا يمتلك لحظة تقرير ما يصلح لهم ويتركهم في يد كل الممارسات التي قد تعلمهم سلوكيات قبيحة بل قد ينحرفون هذا وبكل بساطة ، لأنه في ظل غياب المراقبة الأبوية كل شيء ممكن ، لأن الطفل عبارة عن صفحة بيضاء كما يؤكد علماء التربية وبالتالي يمكن أن تلقنهم ما شئت ، والشارع ماذا سيلقنهم سوى الكلام البذيء والفاضح ؟
إن التطور الاجتماعي بالمغرب نحى نحو مجتمع صار في جانب كبير منه لا يربي ، سواء داخل البيت أو خارجه ولا في المدرسة ولا عبر وسائل الإعلام خاصة التلفزة التي صارت عبارة عن بؤرة فاسدة يخرج منها كل ما يجر أجيالنا الى الهاوية الأخلاقية تحت تسميات العصرنة والحرية الخ من الخطابات الخشبية التي تمرر إعلاما فاشلا بل هو إعلام مبرمج على تحويل الرأي العام الى الهوامش والتفاهات عوض التركيز على معالجة القضايا الأساسية لتنمية العقل وتربية المواطن . إن المجتمع مغربي أصبح الشكل فيه يطغى على الجوهر ، فالشباب ذوي الحلاقة القزاعية أصبحت تغزو رؤوس أطفالنا وشبابنا بل حتى بعض من شبابنا كأنهم يعيشون في كوكب آخر وكأن لا أباء لهم ولا أولياء الذين يوجهونهم ، على اللباس المناسب عوض ارتداء سراويل تسقط وراءهم لتظهر سوءاتهم ، في تقليد أعمى لا يعكس العقلية السائدة في البلاد والتي تدين بالإسلام وما أدراك ما الإسلام دين الحياء والاحترام والخلق الحسن ، "وإنك لعلى خلق عظيم " تلك حالة محمد(ص ) الذي يعتبر قدوة لكل المسلمين بل للعالمين . وأين نحن من هذا الدين ؟ أخذنا القشور وتركنا الجوهر، تلك هي مصيبتنا نحن المغاربة، هل لنا أن نعود للتأمل في واقعنا وتصحيح الاعوجاج الذي علق بنمط عيشنا في البيوت في الشارع في العمل في كل مناحي الحياة.؟
فالتلوث لم يعد مقتصرا على الأزبال التي تشوه شوارعنا ودروبنا بل هي أوساخ وأزبال يتفوه بها شبابنا بكل وقاحة دون اعتبار لأي أحد ، ففي كل جهة وليتها تجد الكلمات الفاضحة والتي يندى لها الجبين بالطبع بالنسبة للذي يستحي أما من لا يستحي فهو يفعل ما يشاء ، كلمات ينطقون بها هؤلاء الشباب كلها تحطم قدر وقيمة الأمومة، وتجعل منهم منحرفون على الطريق السوي لدرجة قد تعتبرهم خارجين للتو من الماخور وليس من بيون موقرة لآباء يتعبون ويكدون من أجل أن يمرحوا هم ويكبرون في جو من الرخاء. كل هذا وغيره يتم في سائر الأيام ولكن أن يحدث في شهر رمضان ،الشهر الذي من المفروض أن يكون فرضة للتقوى والابتعاد عن الكلام الفاضح والسلوك البذيء ، فتلك مسألة أخرى تتطلب الانكباب على المشكل من كل المسؤولين وخاصة علماء التربية الجماعية وعلم الاجتماع ودارسي السلوك الإنساني . أو لسنا خير أمة أخرجت للناس؟ لماذا تحولنا الى أمة تنعت بكل النعوت؟ هل جهلنا الى هذه الدرجة من السقوط؟ إننا في حفرة سحيقة أخلاقيا ؟ هل المسؤولون عن التربية يشعرون بذلك وهل اتخذوا عمليا خطوات لتصحيح هذا الانحدار الأخلاقي؟
