خدام الدولة : إنه تراب الوطن المقدس وليس قطعة شكلاطة
رشيد العزوزي
لو بدأنا يا بلدي من أين سنبدأ الحكاية، فماساتنا مع الريع في هذا الوطن الجريح لها أكثر من بداية، والمؤرق أنه لا أمال في الأفق باد للقطع مع رموز الفساد، والمبكي دما لا دمعا أنهم فعلا جميعهم ( بحال بحال ) ومن قال بعد اليوم أن هذا حكم قيمة، أو طرح شعبوي، نقول له جانبت الصواب في تقديرنا، ومثلك كنا ولكننا رأينا بأم أعيننا ما فعله ويفعله فينا يوميا خدامنا الأكاديميون يمينا ويسارا منذ أكثر من نصف قرن على خروج فرنسا عسكريا.
"خدام الدولة "من أقذر المفاهيم المنحوتة في معجمنا السياسي المعاصر التي يمكن أن يسمع بها واحد من أبناء الشعب المغربي الأبي في الآونة الأخيرة، هي العبارة المشئومة السالفة الذكر، والتي لا يكفي معها التعود بالله من الشيطان الرجيم وحسب، بل على عموم الشعب أن يكون في مستوى الإهانة ، و يضع حدا لهذه الممارسات الريعية الساقطة الماجنة المغرقة في النرجسية الخالية من أي حس وطني، حتى لا نقول أنه منكر سياسي لن ينفع معه النهي مطلقا وإنما الاعتصام في الساحات العمومية .
هذه الممارسات تنخر الاقتصاد الوطني في العمق، وتعصف بما تبقى من مصداقية لمؤسسات الدولة، وتهدد التماسك الاجتماعي، وتنذر يصيف طويل وأكثر سخونة، وبواقع أشد مرارة من واقع البطالة و(الكريساج) و (الحكرة) وتردي التعليم والصحة .. وعندها الكل سيدفع الثمن الخدام و " المخدومين " حينها لن ينفع الندم، المسألة خطيرة جدا قد يضيع الوطن، ويتيه المواطن وتختلط الأوراق.
في مصيبة الريع الذي يكلف الوطن 20 مليار درهم سنويا الكل مسئول من موقعه، لأن الكل دفع ويدفع أو سيدفع الثمن غاليا ،فنحن في مركب واحد ،وطن واحد؛ المخزن، والممخزنون ،وعباد الكراسي، ومصاصي دماء الشعب المغربي، التحكم ،والمتاجرين بالدين، والراقصين على جثث البروليتاريا ،علية القوم وعوامها ،المساكين ،أهل الحل والعقد، الحارس الليلي، الشخ ،والمقدم، وطبعا معالي السادة الوزراء الذين ينحدرون من قبيلتهم سلالة "خدام الدولة" ،أعود بالله ألف مرة وبئس العبارة .
كنا نخشى على الاقتصاد الوطني من إملاءات البنك الدولي وسياسة إعادة الجدولة، ونتذكر نتائج التقويم الهيكلي في العشرية السوداء (1983-1993) بمرارة، و التي لا زلنا نعيش بعض تداعياتها وما ذكراها عنا ببعيد، ومعها رفع الشعب المغربي التحدي وقال صبرا جميلا والله المستعان، لأنه يعي أن الإمبريالية لا يرجى منها خيرا، فإذا بأبناء جلدتنا الموكول إليهم استتباب أمننا، وتوفير قوتنا، والدفاع عن مصالحنا العليا يقتسمون أرض الوطن ليضيفوها إلى عقاراتهم المترامية في الدار البيضاء وطنجة والسعيدية لأن معاليهم لا يتحملون إلا مستوى معين في الحرارة، والدخل، والسكن، والسيارة، ولو على حساب عرق الجماهير الشعبية، ماذا قدمتم لنا حتى نغمض العين عن أراضي زعير الباهظة التي اشتريتموها بثلاثمائة درهم؟ وكنتم فيها من الزاهدين، حتى نعتبرها هدايا، فلا الأمن نعيشه واقعا، ولا الثروة نستفيد منها جميعا. التعليم صار دجلا، والتطبيب أعشابا، والاقتصاد أعرجا ، سياسيا نحن رعايا أو أشباه مواطنين في أحسن الأحوال فماذا تبقى .
في السياسة عرفنا تعدد الأحزاب، على أمل تعدد البرامج منذ منذ الاستقلال سنة 1956، حرصا من المرحوم الحسن الثاني على تحقيق التنوع في المشهد الحزبي وطنيا - ولو شكليا – ومعها لم نكسب أي رهان، بل تجاوزتنا دول عرفت الحزب الوحيد، فحققت في عهود ما حققته أوروبا في قرون، وبسرعة البرق ظهرت نماذج اقتصادية حية كنا لا نعرف عنها إلا نجوما في الكرة أو السينما أو الرياضة، كالأرجنتين والهند والصين وماليزيا وكوريا وتركيا ..
وحدنا أخطأنا الموعد مع التحديث والحداثة والديمقراطية التي تعني المحاسبة كما ينص على ذلك دستور 2011 ،والسبب فيذبك وفي كل معاناتنا التي ما تكاد تنتهي إلا لتبدأ هو الريع المستشري في معظم مؤسساتنا من رأسها إلى أخمص قدميها ونفوذ مجموعة من( الشلاهبية) كما تقول المرأة الحديدية (نبيلة منيب).
من سيحارب الريع ويعيد أرض زعير ياترى؟ هل نفسه من حارب )الميكا )؟ هل من انتخبناهم لا لشيئ إلا لأن شعارهم الذي انطل علينا كان هو "محاربة الفساد والمفسدين" الذي بدأته حكومتنا الموقرة بفتح نقاش عمومي حول مهزلة مقالع الرمال، التي يستفيد منها لوبي فاحش الثراء، لتغلق الموضوع بعدها، وتفتح ذراعها لمن قالت أنهم رموز الفساد قبلها، وتلتزم الصمت بعدها؟
هل شخص السيد الوزير الأول ؟ الذي صار يحب الصمت فجأة على غير العادة ولم بجعله فرض كفاية ،بل عممه على الجميع تارة، أو يقول لنا ( مفرسيش ) أخرى . أما وزيره في العدل فتلك حكاية أخرى . قال ببرودة دم أن قضية زعير وباقي القضايا الريعية المماثلة لا تدخل ضمن اختصاصاته ...عذر أقبح من زلة لحكومة ميتة سريريا ولا يعول عليها البتة .
