عنصر " المفاجأة " وبال على التخطيط الاستراتيجي !

عنصر " المفاجأة " وبال على التخطيط الاستراتيجي !

عبد اللطيف مجدوب

 

المفاجأة "السارة" قد تنمحي غدا !

       في ظل الطفرة الرقمية التي يجتازها الإنسان ، وما يواكبها من تشعب في حاجياته المادية ، أخذ مجتمع القرن الواحد والعشرين يتجه إلى التخطيط والبرمجة ، كسلوك اجتماعي ؛ يصون له أهدافه ومراميه ، ويقيها " شر" الصدفة أو المفاجأة أو الحالة الشاذة التي قد تزلزل وتيرة حياته ، وتدفع به إلى إعادة النظر في معطياتها Data تحاشيا للوقوع فيما لم يكن بالحسبان !

وبناء عليه فسيغدو عنصر المفاجأة خللا في حسن التخطيط ، والبرمجة والذي يستدعي الإلمام بالبرمجيات Programming ولغتها ، واستحضار جميع العناصر ومعطياتها ، تبعا للأهداف المسطرة .

وهل إنسان الغد سيشبه الروبوط ؟!

       من المعلوم أن وظائف بشرية عديدة ؛ بيولوجية وفيزيولوجية وخدماتية وسيكولوجية ... ستطرح في الأسواق ؛ إن لم تكن متاحة الآن ؛ في شكل روبوطات Robots ، يكفي الإنسان ـ خادمه ـ من عناء التفكير والبرمجة ، وحل القضايا المستعصية ، والتواصل ، والعلاقات ، وحفظ الخصوصية والأسرار ، والمدخرات والممتلكات ... هذا الإنسان سيصبح يشكل عالما افتراضيا قائم الذات ، يتعامل مع العالم كقرية ذكية Smart Village Little ، لا مجال فيها للمفاجأة أو الصدفة إلا بنسب مئوية جد ضئيلة ، كالجلوس في المقهى والذي سيكون رواده مسجلين بصورهم وتواريخ ومواقيت حلولهم بها .. وهنا المفاجأة لا تعدو الضغط على زر حجز أو البحث عن مكان فارغ ولأمد محدد ... هذا إذا كان الشخصان يرغبان في لقاء مباشر ، وإلا وجدا طرقا أخرى للحوار عبر شفافات سمعبصرية Audiovisual Transparent بمتناول أصابع اليد ... !! أو تحديد موعد لذلك في وقت لاحق ومحدد .

       حياة الروبوتيك هذه Robotic Life ، قد لا نستسيغها نحن الغارقون في الزمن البائد والبطيء ، لكنها شرعت تغزو المجتمعات الغربية ، وأقبل الإنسان على برمجة حياته اليومية/الأسبوعية/الشهرية/السنوية بشكل دقيق لا وجود لفراغ ؛ قد يعرضه للصدفة أو المفاجأة فتنهار برمجته ( برنامجه ) ، ليسقط في الفراغ الذي يفضي به حتما إلى حياة المفاجآت والصدف ، وهي سمة الشريد المتسكع أو العاطل والمعطوب .

التخطيط الاستراتيجي ( مثال انقلاب تركيا )

       الاستراتيجية ؛ في مدلولها الواسع ؛ هي التنصيص على أهداف طويلة المدى ، أو مجموعة مصالح ووسائل تحقيقها . كما تستعمل في التخطيط السياسي والعسكري ، لتحقيق مجموعة أهداف مرحلية . 

ومن البديهي أن الانقلاب العسكري في تركيا قد بدأ التحضير له ، والعد التنازلي بشأنه منذ مدة ؛ قد تنيف عن سنة ، ربما ستكون السلطات التركية ؛ إثر فشله ؛ قد عثرت في أدراج مكاتب كبار الجنرالات ومدبري الانقلاب على وثائق سرية في غاية الأهمية ، يمكن اعتبارها ؛ من الوجهة الاستراتيجية ؛ بنكا للمعلومات الإجرائية التي أفضت مباشرة إلى تفجير عملية الانقلاب ، معلومات قد تكشف عن أطراف عديدة ضالعة ، بما فيها بعض الحكومات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية !

"المفاجأة" التي زلزلت المخطط الاستراتيجي

       المفاجأة ؛ من منظور " الخبير الاسترتيجي "Strategic Expert/ Strategist هي فيروس ؛ قد يكون سببا في فشل المخطط ، وانهيار منظومة المعلومات بأكملها ، وما نجم عنها من خسائر مادية قد تفوق المليارات .. فضلا عن خسائر في الأرواح . وهذا عين ما وقع في المخطط الاستراتيجي الذي جرى تحضيره للانقلاب العسكري ... وجه المفاجأة الذي حطم كل شيء ، وأتى حريقه على كل الخطوات المرحلية الموالية هو الشعب الذي نص عليه المخطط كمجرد قطيع يسهل توجيهه من خلال الدبابة والبندقية .. لكن الشعب التركي حطم هذه المعادلة ، وأربك كل الحسابات وبالتالي حكم على المحاولة الانقلابية بالفشل الذريع .

نجاح المخطط مرهون بتحاشي المفاجآت/الأخطاء

       المخطًط ، يستحضر في بنائه عناصر جد معقدة ليربطها بدائرة التواصل ـ كانت عرضية ـ أو رئيسية أو ثانوية .. بيد أن إغفال أي عنصر منها قد يفضي إلى تعطيل المخطط برمته ، فيسقط في الارتجالية الفجة أو المشي في الظلام ، وللتدليل على أهمية بناء المخطط نورد ؛ فيما يلي ؛ نموذجين متناقضين لمايكرو مخطط Micro-Planning أو النموذج الأصغر ، في حياتنا اليومية :

       * التخطيط الجيد (1)   

        الهدف : قضاء عطلة أسبوعية بمدينة إفران بداية شهر يناير .

        المراحل : التمويل ؛ السيارة ؛ الطريق ؛ الطقس ؛ إيجار الإقامة ؛ أفراد العائلة ؛ التغذية ؛ التنقل بالمدينة ؛ التسوق ؛ العودة ..

        العناصر : مراقبة السيارة ؛ النقد الاحتياطي ؛ منعرجات الطريق ؛ برودة الطقس ؛ احتمال الأمطار/الثلوج ؛ احتياط الأغطية 

        ؛ اللباس الشتوي ؛ الموقد بالإقامة ؛ التخابر مع الإقامة ؛ الطبخ المنزلي الصحي ؛ السوق الأسبوعي ؛ حالة الطقس أثناء 

        العودة ...

        ** التخطيط الرديء/الارتجالي (2) 

إذا افترضنا نفس العائلة ونفس السيارة ونفس الهدف ، ولكنها بدون تخطيط مسبق ( مرتجلة ) ، فسنرى كم عدد المفاجآت والمطبات التي تتعرض لها هذه العائلة :

       * احتمال عطل في السيارة ؛

       * قد يقع السائق في مشاكل خلال عبوره للمنعرجات ؛

       * قد يكون الطقس ماطرا وعاصفا فيتعطل السير ؛

       * إقامة غير متوفرة بالمواصفات المرغوب فيها ؛

       * الألبسة غير كافية لاتقاء الصقيع ؛

       * التغذية بالمطعم ربما تكون مكلفة وشروطها الصحية ناقصة ؛

       * خلال العودة قد تكون الطرق مبللة ...

من خلال النموذج الثاني ( الارتجالي ) ، لنا أن نتصور كم عدد المفاجآت/العوارض التي ستواجهها أصحاب هذه الرحلة ...

        فالتخطيط الجيد ؛ في كلمة موجزة ؛ يعتمد على ثقافة الشخص ومهاراته في استحضار كل الجزئيات والعناصر والحيثيات والاحتمالات المحيطة بالهدف الذي يرنو إليه ، والعكس صحيح .

نصيب المغاربة من جودة التخطيط ؟!

       إذا أخذنا بعين الاعتبار نسبة الأمية المنتشرة بين شرائح واسعة من المجتمع المغربي أولا ، وسوء التربية الأسرية ومستوى تكاليف العيش ، وصعوبة الظروف الاقتصادية ، وأحيانا الضعف الواضح في توفر الظروف الأمنية ثانيا .. جاز لنا القول بأن معظم المغاربة يعيشون حياتهم بدون تخطيط ، وبارتجالية فجة لا تطاق ؛ تنجم عنها عادة تخبطات في مشاكل معقدة وحافلة بمفاجآت وصدف ؛ في معظمها ؛ عبارة عن عراقيل وحكايات مؤلمة لا حصر لها .      

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة