بين الملك وبن كيران وصاحب الفيل

بين الملك وبن كيران وصاحب الفيل

نورالدين الطويليع

 

يحكى أن أميرا اختار فيلا لحراسته, وحرص على أن يلازمه الفيل أينما حل وارتحل, ليذوذ عنه ويدفع كيد العدى, قام الفيل بواجب الحراسة على أحسن مايرام, منتهجا أسلوب دهس كل من يعترض سبيل الأمير وسحقه, وحدث ذات مرة أن نام الأمير في ظل شجرة, فحامت حوله ذبابة لتستقر فوق وجهه, وهنا لم يتردد الفيل في رفع رجله عاليا والإهواء بكل قوة على هذه الذبابة التي انسحقت وانمحى كل أثر لها في خضم عظام الجمجمة المكسرة ودمائها السائلة.

تماما كما تصرف هذا الفيل بسذاجة, فقضى على صاحبه الأمير قبل أن يقضي على الذبابة, فعلها بنكيران, وإن بصورة كا ريكاتورية, وهو يطارد ذبابة لازمته التي يسميها التحكم, إذ بعدما أزعجه طنينها, طاردها في كل مكان, حاملا عليها, بأسلوبه المكرر, إلى أن قرر أخيرا محاصرتها بوضعها في زاوية الملكية, وإظهارها, بمظر المسيء لها, المهدد لكيانها, عسى أن يأتي ذلك بالفتح المبين, بعدما فشلت كل المحاولات, ولم يبق إلا خيار واحد ووحيد هو الاتكاء على الملكية, والظهور بمظهر الغيور, الخائف عليها من "ذبابة التحكم", بطريقة مضحكة صنف فيها الملك في خانة دون خانة دولة القرارات والتعيينات, مهشما بذلك صورته الدستورية كأعلى سلطة في البلاد, وكصاحب القرار الأول الذي لا ينازعه فيه فرد أو حزب أو مؤسسة.

التهشيم في الحالتين واحد, مع وجود فارق النوعية, حيث إن تهشيم الجمل كان ماديا, في حين أن تهشيم بن كيران كان معنويا أساء إلى الملكية ووضعها في موقف ضعف ووهن, بعدما صنفها في خانته, وادعى أنه هو والملك يمثلان دولة المؤسسات, إلى جانب دولة متسيبة تتطاول على صلاحياتهما وتنفذ القرارات دون علمهما.

هذا التوصيف يذكرنا بالمثل الشعبي " بغا يداويها عورها", فرغبة في استدرار عطف الملك اجتهد الرجل لإظهار مدى حبه وغيرته على المؤسسة الملكية, في مسعى لضرب كل المقربين وإيغار صدر الملك عليهم ليسحب البساط من تحتهم جميعا, وبذلك يخلو له وجهه, ويصبح المقرب الأول منه, دون أن يدري بأنه بهذه الرؤية البسيطة الساذجة سيجني على نفسه, ويقدم هدية في طبق من ذهب لهؤلاء الخصوم, وهو ما ظهر جليا في خطاب الملك الذي بدا متبرما متضجرا من إقحامه بهذه السلبية في النقاش الحزبي والسياسي, ولم يتردد في صفع الفيل, عفوا بن كيران, على وجهه وقفاه صفعات مدوية بيد من أشواك حديدية, جعل الصورة معكوسة, ارتد معها الرجل مهشما, وطرحت جثته السياسية على الأرض, ليجول ببصره, وهو بين الحياة والموت يعالج سكرات هذا الأخير, باحثا عن "ذبابته" التي فشل فشلا ذريعا في مسعاه للقضاء عليها, وانقلب هجومه عليها هزيمة نكراء بسبب بلادة التواصل, وغياب اللياقة البلاغية التي تجعل صاحبها يراعي مقتضى الحال, ويختار من الألفاظ والعبارات ما يناسب المقام,

لا إطلاق الكلام على عواهينه دون ضوابط كما تحكي كتب التاريخ الأدبي عن وقائع مماثلة سقط فيها أصحابها سقوطا مدويا, وجنوا عكس ما كانوا يطمحون, مثل ما وقع للشاعر جرير الذي أراد أن يمدح الخليفة عبدالملك بن مروان, فأنشده: "أتصحوا أم فؤادك غير صاح"، فأوقفه عند هذا البيت ولم يتركه يتمم قصيدته, بعدما صاح في وجهه:"بل فؤادك أنت يا ابن الفاعلة", وطرده من مجلسه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة