الاستثناء المغربي وانعدام الضمانات
السعيد كرماس
الأحداث التي يمر بها المجتمع المغربي منذ مدة ليست بالقصيرة والتي يمكن جرها إلى مرحلة ما أطلقت عليها لفظة السيبة ( التي أسالت مداد كتاب ومؤرخين كثر) لا يمكن الوقوف عندها وقوف الشيخ وحماره فقط بل وقوفا يجب أن يثير حلمة التاريخ المسكوت عنه حتى يقطر حليبا يمكن أن ينعش ذاكرة بعض الحالمين بسلطة مطلقة تبدأ بفوضى عارمة تأتي على الأخضر واليابس.
التاريخ الذي درسناه (بصيغة المبني للمجهول) علمنا أنه لا يعود. وهي حقيقة لا يتشاجر حولها عنزان. لكن قراءته المتأنية قد تفيد كل من ألقى السمع وهو صاح وذو عينين منجليتي الرؤيا.
على سبيل المثال من أسباب الثورة الفرنسية ليست فقط حالة الذل والهوان الذين كان يعيشهما الشعب الفرنسي وغياب الحرية والمساواة...،بل موجة الإجهاز على القدرة الشرائية لمعظم مكونات الشعب خصوصا الفلاحين وفقراء المدن. هذا الغلاء كان مصدره تحرير السوق الذي لم يكن سوى تنازل الملكية عن دورها الاقتصادي المتمثل في تأمين القوت والحفظ على القدرة الشرائية للمستضعفين.كيف حدث هذا؟.
لقد توصلت البورجوازية المتعفنة والطموحة إلي خطة هدفها الوصول إلى السلطة عن طريق القضاء على الحكم الوراثي الذي لم يكن يتيح لهم ولا لذويهم أدنى فرصة للحلم بالقوة والسيطرة ما داموا محكومين بأصولهم الاجتماعية. فالبورجوازي الغني لم يكن ليحلم بالوصول إلى مرتبة النبلاء مهما عظمت ثروته. ولنا في مسرحية موليير الكوميدية "البورجوازي النبيل" مثلا مضحكا. فهو لا يعدو سوى أن يكون أضحوكة لغيره، بله، ومجرد مصدرا لابتزاز المال حين الشدة.
أقصر هذه الطرق إلى السلطة هو استعمال المال عن طريق إقراض الدولة وليس إعطائه لأفراد الشعب عند الانتخابات لأن الأمر كان سابقا لأوانه ولأن لعبة الديمقراطية سوف تكون أحلى بعد الإطاحة بنظام الملكية التي ذب إليها الضعف منذ أيام لويس الرابع عشر لتستفحل الأمور مع لويس الخامس عشر الذي كان يحب المال والنساء حبا جما لدرجة انه أصبح يقترض ليل نهار إلى أن أجهز على مقدرات خزينة الدولة.
وورث لويس السادس عشر ليس فقط العرش، بل وكذلك القروض التي كانت تؤدى عن طريق الامتيازات أو مايصطلح عند البعض بالريع . وهو عبارة عن مداخيل باهظة تؤديها الدولة لخدامها المقرضين لها بعضا من الأموال.من بين هؤلاء نذكر على سبيل المثال البورجوازي الوصولي الانتهازي فولتير.
سوف لن أستطرد في هذا السياق، بل سأعطي صورة تقريبية عن الوضع المجتمعي الإقتصادي والنفسي للفرد الفرنسي البسيط خلال هذه الفترة. إن هذا النوع من البشر لا يقوم بالثورة لأنه كحال الزعيم عند عادل إمام همه الوحيد ليس السياسة بل القدرة على مواجهة متطلبات الحياة اليومية من خبز وزيتون وفول وبصل. وذلك لأن الأمر جد خطير بسبب هشاشة الأوضاع عموما
فالهشاشة هي ليست فقط انعدام الطرق والولوجيات والبنيات الأساسية، بل هي انعدام الضمانات وعلى رأسها الأمن بشتى صوره. تأمين القوت اليومي الذي أجهز عليه بفعل تحرير السوق بحجة أن الأثمان سوف تعرف انخفاضا سينتفع منه المشتري أو الزبون، وهذه كذبة لا داعي للحجاج عليها منذ القرن الثامن عشر. فمن قبل كان لتأمين الحبوب بوليس ملكي يسهر على تزويد وحماية الأسعار من شياطين المضاربات والاحتكارات.
ولنتذكر أن أول مطلب قدمه فقراء باريس ( وبالخصوص فقيرات الأمهات الباريسيات) إلى الملكة ماري أنطوانيط هو الخبز الذي اختفى من المدينة بسبب المحتكرين من البورجوازيين المتعفنين. والخبز بالنسبة للعامة أساسي ووجوده يزكي الإيمان بوجود الله وخلفاءه في الأرض من ملوك وأمراء ورجال الدين.
عندما يصبح الخبز مرادفا للحياة، فإن غيابه يعني خطر الموت المحقق لدى البسطاء، أولئك الذين تنعدم عندهم مجرد إرادة الاختيار بله والتحكم في المجهول،لقد رأى البسطاء من الفرنسيين أن سبب فقرهم وذلهم هو خيانة الملك لهم بالسكوت على الظلم الاجتماعي الممارس من قبل ذوي الامتيازات وأصحاب الأموال المتاجرين في قوته وعياله. كان فعل هؤلاء الانتهازيين محميا بسلاح الجيش والقوات العمومية التي تأخذ مالها من أموال دافعي الضرائب من أفراد الشعب المغلوب على أمره.
لم يكن لويس السادس عشر سياسيا ذكيا بما يكفي لأنه أحاط نفسه بثلة من المقربين الذين لا يهمهم سوى ما سيجنونه من مال وهدايا. وقد تركوا الملك ينعم بلذة الإستثناء الذي جعل من الجالس على عرش فرنسا موظفا معينا باسم الله (الحق الإلهي). ولأن الأمر قد طال منذ قرون فلا داعي للخوف على المنصب والصفة. لم يستفق سوى حين تعرف عليه أحد رعاياه (رغم تنكر الملك في زي بورجوازي بسيط أثناء محاولته الهرب بجلده وذويه) ليقتاد كلص إلى السجن ومن ثم إلى محاكمة صورية أطاحت برأسه في ميدان باريس الشهير وتحت هتافات أفراد شعبه من الغوغاء.
صحيح انه لا مجال لمقارنة تاريخ فرنسا بتاريخنا "المجيد". لكن المتأمل الجيد لا يرى فقط ثقل كاهل الدولة بسبب القروض الداخلية والخارجية التي جعلت من البلد رهنا بأبخس الأثمان بل أيضا بالوضع العام الذي يعيشه المغاربة عموما والموظف البسيط خصوصا والذي يرى نفس الرؤيا التي مني بها أفراد الشعب الفرنسي من انعدام الضمانات كالشغل له ولأبنائه والترقية الاجتماعية وخصوصا تأمين تقاعده الذي أصبح مهددا بشكل خطير بحجة إصلاح صناديقه المنهوبة. وحين تضاف ملفات أراضي خدام الدولة وتقاعد البرلمانيين والوزراء يكون المشهد تراجيديا يؤشر لمستقبل عدمي. لأن انعدام الضمانات صارت لازمة سياسية واقتصادية تكاد تكون شعار الكثير من السجالات.
إذا كان للتاريخ من دروس فهي التي يمكن أن تقينا الكوارث. التعجيل بتدارك الأمور قبل فوات الأوان تصرف حكيم لا يقوم به إلا الحكماء من الوطنيين. لكن الملاحظ في مغربنا الحبيب هو وجود أياد لا تنشط إلا في إثارة البلبلة وعدم الاستقرار. السكوت عنهم وعن ممارساتهم ولو باسم الوطن أيضا خيانة لهذا الوطن. وإذا كان الوطن مجرد وعاء عقاري لهؤلاء وبقرة حلوب تمدهم بما يريدون فلا عاشوا ولا عاش الوطن.
إلى الراحل أيمن المرزقي
