تركيا، تحصين الديمقراطية وبناء المجموعة الاقتصادية الإقليمية؟؟
الحسين بوخرطة
لقد كتبت مقالين في شأن الفرضيات المرتبطة بالانقلاب بتركيا، ولامست في كل التحليلات الإعلامية تقريبا في هذا الموضوع أن هذا الحدث وفشل رواده قد شكل مصدر قوة للمسار الديمقراطي التركي. لقد تبين للعالم أن البنيان المؤسساتي للدولة التركية قد أصبح يتمتع بمناعة قوية نسبيا إلى درجة يمكن ترجيح فرضية صعوبة أو استحالة هدم التجربة السياسية التي راكمت عناصر القوة منذ عهد أتاتورك إلى أردوغان. وفي جملة واحدة، لقد أصبح الشعب التركي بلا شك مرتبطا بحسنات ومزايا الديمقراطية، وبقوة ارتباط التنمية الاقتصادية والثقافية بالعمل السياسي المبني على أساس نتائج صناديق الاقتراع. لقد تشكلت فور الإعلان عن الانقلاب، بالرغم من البرودة التي ميزت مواقف الدول الغربية، جبهة وطنية لحماية المكتسبات الديمقراطية شاركت فيها كل التيارات السياسية والنقابية والجمعوية بمرجعياتها الإيديولوجية المختلفة منها الإسلامية، والقومية، والليبرالية واليسارية ...... لقد قالت القوى المجتمعية بكل أصنافها وبصوت واحد: "لا لهدم تراكمات العمل السياسي الديمقراطي".
والحالة هاته، فالتضحية الشعبية، بالشجاعة اللازمة، من أجل الدفاع على ما تحقق في هذا البلد قد أصبحت مكتسبا بقيمة معنوية عالية، ومؤشر قوي تحول إلى درس حاسم لكل النوايا الطامحة لاستبدال الديمقراطية بالاستبداد أو التحكم، ولكل من يطمع إلى امتلاك المكسبات والتراكمات واحتكارها والترويج لها مستغلا كل المنابر الإعلامية المتنوعة لتحقيق تمثلات شعبية تربط المنجزات ب"الشخص" عوض "المؤسسات الديمقراطية". لقد تتبعنا في حينه كيف تم انتقاد تعنت مرسي في مصر وعدم استيعابه السياسي لمعنى خروج عشرات الملايين للشارع منددين بسياسته بعد سنة من حكمه، وكيف تناسى أو تجاهل أن العودة إلى صناديق الاقتراع هي الخيار الواحد والوحيد لحل الأزمات السياسية. لقد أعطى الانطباع وكأنه يؤمن بكون صناديق الاقتراع ما هي إلا وسيلة أو مطية للوصول إلى الحكم لتثبيت الاستبداد أو وتكريس حكم الأقلية للأغلبية. لقد كان الأمل في نفس الآن، أي في تلك الفترة المحورية والحساسة جدا في تاريخ مصر، وأصوات الشعب تهتف بالتغيير بكل قوة، أن يكون السيسي، كزعيم للمؤسسة العسكرية، قائدا للتغيير الديمقراطي والمصالحة الوطنية، قائدا يخلق الاستثناء الذي يقوي الارتباط بين التنمية الاقتصادية والممارسة السياسية الديمقراطية في حياة الشعب المصري، وأن يؤسس لوضع جديد يكون الهدف الأسمى للمؤسسة العسكرية فيه هو حماية الحدود والديمقراطية الشعبية ومؤسسات ومنشآت الدولة (في اعتقادي لا زال هناك حيز كبير من الوقت للاستدراك في مصر الشقيقة) .
وباستحضار هذه النقط، التي أعتبرها أساسية جدا في العمل المؤسساتي الديمقراطي، أطرح في هذا المقال الثالث في موضوع القضية التركية (التي أصبحت قضية مشتركة بين العرب والأتراك والفرس)، مسألة تحصين الديمقراطية في تركيا الرائدة. ما من شك أن التصاعد المستمر لنجم هذا البلد أصبح محط أنظار الدول الأكثر تصنيعا في العالم. وعملية التحصين التي أتحدث عنها في هذا المقام لا يمكن أن تتم في نظري إلا عبر بناء التناوب السياسي على الحكم بدء من إعطاء حقوق المشاركة السياسية للأقليات. فالاستئساد في مرحلة البناء والصعود السياسي هو سلوك مرفوض بحكم التاريخ المعاصر. إن الاستمرار في تحقيق الصعود زمن العولمة والثورات الناعمة المتواصلة لا يحتمل بطبيعته النزعات الاستبدادية وتكريس التفرقة ما بين أفراد الشعب الواحد. فأي محاولات لعزل الشعب التركي عن حقه في الاختيار السياسي واحترام تعبيراته المتنوعة وعكسها كما هي على هيكلة المؤسسات لا يمكن تصنيفها إلا في خانة السلبيات التي قد تتحول مع مرور الوقت إلى فرامل لعجلة التنمية في هذا البلد الصاعد.
بخصوص الحزب الحاكم، فالشعب التركي لا يمكن أن ينسى رواد التغيير ولو سخرت كل الوسائل المادية والإعلامية من أجل تغييبهم. فقيادة حزب المصباح والشخصيات المساهمة في صناعة التحول والنهضة معروفة، منها الرئيس السابق عبد الله غل، ورئيس الحكومة الأسبق احمد داود أغلو، ورئيس البرلمان الأسبق علي باباجان..... كل هذه الأسماء، وأخرى عديدة في صف حزب العدالة والتنمية وفي صفوف الأحزاب الوطنية الأخرى، لا يمكن حرمانها من خدمة وطنها والحق في التأثير في مساره. في هذا الشأن بالذات، تتبعنا جميعا كيف تتالت الانتقادات الموجهة إلى مؤسسة رئاسة البلاد منذ استقالة أغلو من رئاسة الحكومة حيث تم اعتبار إفراغ محيط أردوغان الحكومي أو الحزبي من القيادات الثقيلة الوازنة خطأ جسيما وخلفياته غير مفهومة. لقد لمس الشعب التركي النضج السياسي والخبرة والثقة والمصداقية ومستوى الروح الوطنية العالية عند هذه القيادات، المختلفة استراتيجيا مع رئيس البلاد، منذ الساعات الأولى للانقلاب. لقد كانوا الأوائل في الظهور على الشاشات التلفزيونية وأعلنوا بسرعة وبدون تردد مواقف حاسمة وحازمة ضد الانقلاب على الديمقراطية. لقد شاع في الشارع التركي أن هؤلاء هم رموز كبار في مجال تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية، خاصة وأن عددا منهم كان ضد إعادة إجراء الانتخابات البرلمانية عندما لم يحصل حزبهم على الأغلبية المطلقة. وتبين كذلك أن مواقف فئة واسعة من هذا الحزب مع حق الأقليات في الحرية والكرامة وأنها تعادي نزعات التعايش مع الفساد والظلم والاستبداد.
وختاما أكرر أن القضية التركية وديمقراطيتها الفتية، وتصالح التيارات العقائدية في الإسلام (تصالح السنة والشيعة....)، والعرقية (العرب والأمازيغ والأتراك والفرس والأكراد...)، وتحويل قيم الدين الإسلامي والتفاعلات العرقية إلى أسس قوية للانفتاح على الحضارات الأخرى ودعامة أساسية لتقوية التضامن الاجتماعي والتعاون المشترك بين الشعوب والأنظمة، تشكل اليوم في نظري أسس جوهرية لإبعاد المنطقة الإقليمية من البحر الأسود إلى المحيط الأطلسي عن عتبة التخلف والفقر، وبالتالي تقوية قدرة دولها وشعوبها على محاصرة كل أنواع الاختراق الهدام وتوفير شروط صناعة نخبة سياسية واقتصادية جديرة بالمسؤولية في كل الأوطان. إنه السبيل الأنجع لتحويل التغيير عبر الانقلابات والمؤامرات والدسائس إلى مجرد وهم. لقد تبين أن القضايا الإستعجالية الإقليمية في الأوطان العربية وفي تركيا وإيران جد مرتبطة فيما بينها، وأن ما يشاع في شأن التباين والصراع والتفرقة لا أساس له من الصحة، بل هو مجرد إشاعات مصطنعة وممولة في الأسواق السوداء من هذا الطرف أو ذاك لتكريس الميز الطبقي على مستوى الشعب الواحد وطنيا وما بين شعوب المنطقة إقليميا.
لكي لا أنسى، ففي التنافس الشرس بين القطبين الغربي بشقيه الأمريكي والأوروبي والشرقي بقواته السياسية والاقتصادية الجديدة/القديمة (روسيا والصين والهند) قد يشكل مصدر نعمة سياسية واقتصادية للمنطقة الإقليمية برمتها، والوحدة في المواقف في شأن الملفات المعروفة في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا قد تتحول إلى مصدر قوة في اتخاذ قرار تشكيل الوحدة الاقتصادية في الإقليم الكبير.
