التكوين وإنتاج الشباب الفاعل؟
الحسين بوخرطة
وأنا أفكر في كتابة هذا الموضوع، وجدت نفسي في وضع اضطراري للحديث على تجربتي الخاصة ارتباطا بعنوان المقال. وأستسمح القراء لربط هذا موضوع ب"الذات" ("الأنا" وأعوذ بالله من قولة أنا) أي بشخصي وتجربتي في مجال التكوين والشباب مؤكدا لهم أن هذا الربط ليس دافعه الأنانية أو الافتخار بالذات، بل هو مجرد محاولة ربط مسار تجربة إطار مهندس من الطبقة الشعبية مع الشباب ومجتمعه. لقد اضطررت للقيام بذلك خدمة للشباب وحبا فيهم وغيرة على مستقبلهم.
فمنذ 1993، أي بعد تخرجي من المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي (1991)، أي بعد سنة من تعييني رئيسا لمصلحة الإعلاميات بعمالة إقليم سيدي قاسم (اشتعلت بهذه الصفة لأكثر من 20 سنة بدون تعويض لعدم توفر العمالات والأقاليم على هيكلة قانونية لمناصب المسؤولية)، شاركت في تكوين المئات من الشباب بالمعهد المتخصص للتكوين للتكنولوجيا التطبيقية بسيدي قاسم. في نفس الوقت مكنتني هذه التجربة من مراكمة معارف وتقنيات جديدة لم أبخل يوما في تقديمها بالمجان للموظفين في الإدارة التي أشتغل فيها، وللشباب من خلال منظمات المجتمع المدني. لقد كنت أبادر بشكل مستمر لتقديم خدمات تكوينية كلما نجحت في استيعاب وفهم مادة تكوينية معينة.
هكذا، فبطلب من إدارة المكتب الوطني للتكوين المهني وإنعاش الشغل (معهد سيدي قاسم)، وبترخيص من الإدارة التي أشتعل فيها، تمكنت من خلال ساعات التكوين الأسبوعية، الخارجة عن أوقات عملي الرسمية في الوظيفة العمومية بالطبع، تمكنت مع مرور السنوات من إنجاز حصيلة بالغة الأهمية أترك المستفيدين منها والمتتبعين المحليين تقييمها والحكم عليها بعد نشر هذا المقال في الشبكات الاجتماعية. إن طلبتي، وهم أبنائي وإخواني وأخواتي، يوجدون اليوم كفاعلين، وبأجور محترمة، في عدد كبير من المرافق العمومية والخاصة. إنهم طلبتي في السابق وأصدقائي الدائمين اليوم. إنهم أصبحوا فاعلين في سوق الشغل وفي المجتمع المدني بكل المقاييس.
وبعدما حصلت على دبلوم الدراسات العليا من المعهد الوطني للتهيئة والتعمير، وبعدما توفقت في التسجيل في سلك الدكتوراه بمعهد التهيئة بمدينة بوردو الفرنسية في موضوع يربط بين أشكال التمدين ومنطق الفاعلين، إزداد عزمي على تقاسم معارفي التكوينية والثقافية والعلمية المتراكمة مع الشباب أولا ومع الموظفين ثانيا ومع المجتمع المدني ثالثا. وبصدق شديد، ونتيجة لما بذلته من مجهود لخدمة الشباب والإدارة والوطن والإعلام، تمكنت من ربط علاقات حب واحترام ومودة مع عدد كبير من الأسر بمدينة سيدي قاسم وسيدي سليمان بصفة خاصة وعلى المستوى الوطني بصفة عامة.
وفي سنة 2013، وبعدما تم خلق عمالة إقليم سيدي سليمان، التحقت بها بطلب مني لأقدم نفس الخدمات لنفس الفئات السالفة الذكر، وبنفس المنظور المتشبع بالوطنية وحب ساكنة سيدي سليمان وشبابها. ودائما بطلب من المؤسسة التكوينية، وبترخيص من الإدارة التي أشتغل بها، استثمرت كل ما بجعبتي من طاقة لأخدم شباب مدينتي والإدارة والمجتمع المدني والإعلامي بقوة متزايدة. لقد سهرت الليالي لاستيعاب وفهم وإعداد مواد جديدة في مجال أنماط التدبير الجديدة والتكنولوجيات الحديثة وتسخير المنتوج بالكامل وبدون بخل لخدمة الناس والوطن. في نفس الآن، أقوم بكل ما من شأنه أن يساعدني على تدبير الوقت من أجل تقاسم معارفي عبر الإعلام الإلكتروني والمكتوب. وبخصوص الكتابات الإعلامية، كنت أفاجئ من حين لآخر بالسؤال التالي : "كم تتقاضى عن كل مقال تنشره بالجرائد الإلكترونية والورقية؟"، وكنت دائما أجيبهم : "إن حبي للشباب المهني في مجال الإعلام والصحافة واحترامي لرجال مهنة المتاعب وما يبذلونه من جهد معرفي وإخباري يشكل بالنسبة لي ثروة لا ثمن لها".
إن ارتباطي بمساعدة الشباب ودعمهم دفعني دائما لتخصيص جزء من أجري الشهري لتمويل أنشطة الجمعيات التي أشارك في تأسيسها وشراء الكتب في المجالين التكويني والثقافي والمعرفي بشكل عام والتي أستند عليها لأقدم لهم دروسا بالجودة المطلوبة (في المجتمع المدني لم تتقاضى الجمعيات التي كنت وراء تأسيسها أي دعم مالي من أي مؤسسة رسمية وغير رسمية). وعليه، وعلى سبيل التذكير، أقول لطلبتي وأصدقائي في المجالات التكوينية والثقافية والسياسية والفنية، أن ما أبذله من جهد لخدمتهم لا علاقة له بالجانب المادي، بقدر ما هو تشبث شخصي بحقي في أن أنمي طاقتي الفكرية والعلمية والمعرفية وحقي في تفجيرها في المجتمع لتعميم الفائدة.
وبعد هذا المسار الطويل بتجربته التكوينية والمهنية، وأنا أستحضر معضلة البطالة في صفوف الشباب والسياسات في مجال التشغيل ببلادنا، وبعد تفكير تقاسمته مع بعض طلبتي في موضوع الثقافة المقاولاتية والتشغيل الذاتي والثقة في النفس (وهي مادة من ضمن العشرات التي ألقنها لطلبتي كل سنة)، استخلصنا في نهاية المطاف ضرورة مشاركة الشباب حاملي دبلومات المعاهد التكوينية في تأسيس جمعيات مهنية، كمجال للتدريب، لاكتساب هذه الثقافة قبل المرور إلى خلق المقاولات الصغرى والمتوسطة بشقيها الإنتاجي والخدماتي. وفي هذا الصدد، وبعد نقاش مستفيض، قررنا طرح فكرة جديدة كنموذج في هذا الإطار مفادها تأسيس جمعية اخترنا لها اسم "الجمعية المهنية للشباب الفاعل". وبعد تحديد أهدافها، ارتأينا تقاسمها مع القراء والشباب المغربي لتعميم الفائدة.
أهداف الجمعية:
تسعى الجمعية إلى تكوين الفرق المختصة في تقديم الخدمات المتنوعة للأسر والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، والتخصص في تدبير الشؤون المنزلية وتنظيم التظاهرات الاحتفالية والفنية للعموم وللمؤسسات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية.
في مجال التكوين:
سيتم إحداث مركز للتكوين في مقر الجمعية مختص في تأهيل الشباب في الخدمات المتنوعة مع احترام مقاربة النوع يكونون تابعين للجمعية بمقتضى عقود للتكوين والعمل ومكلفين بتنفيذ التزاماها مع وبنائها:
• الاستقبال : تكوين مضيفين ومضيفات في مجال الاستقبال والتواصل المكتوب والشفاهي والحركي،
• الأمن: تكوين حراس من الجنسين في مجال تأمين الأشخاص والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية والمنشآت الاقتصادية والاجتماعية والحفلات العمومية من كل أنواع المخاطر،
• الخدمات المنزلية: تكوين خادمات المنازل في مجال الديكور والمطبخ وتقنيات الاستقبال والتربية الأسرية العلمية،
في مجال التظاهرات الاحتفالية:
بهذه الفرق المكونة ستختص الجمعية في:
• تنظيم الحفلات الأسرية المتنوعة وتجهيزها وتموينها والسهر على إنجاحها،
• التعاقد مع الأسر في مجال الخدمات المنزلية: تدبير الشؤون المنزلية وتربية الأطفال العلمية،
• كراء مستلزمات ووسائل تنظيم الحفلات،
• تنظيم وتدبير التظاهرات التجارية للشركات والمقاولات والحفلات التواصلية للمؤسسات الرسمية وغير الرسمية: الصالونات التحفيزية، الأبواب المفتوحة، المهرجانات، المسابقات العلمية والثقافية والمباريات الرياضية، والمحاضرات، والندوات،...إلخ،
• تنظيم الاجتماعات والمؤتمرات والأنشطة الموازية التي تقوم بها المؤسسات الإدارية والاقتصادية العمومية والخاصة،
• التعاقد مع المؤسسات السالفة الذكر في مجال أمن الأشخاص وتأمين المنشآت،
• المشاركة الدورية في التنشيط الاجتماعي العمومي من خلال تنظيم أعمال ثقافية ودورات تكوينية وأنشطة رياضية ومسابقات علمية.
وختاما أقول ما أحوجنا للتفكير في خلق المشاريع المدرة للدخل للشباب حاملي الشهادات في إطار الاقتصاد الاجتماعي والشراكة ما بين المرفق العمومي والمجتمع المدني. ما أحوج قرانا إلى جمعيات لتعميم التعليم الأولي (بناء حجرات مجهزة ومهيئة وتفويتها للشباب المنظم) ، وتعميم المستوصفات والمراكز الصحية وتفويتها لجمعيات الممرضين بشراكة مع وزارة الصحة (هناك العديد منها بني في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ما زال مصيره الإغلاق بسبب عدم توفر الموارد البشرية)، وتعميم تهيئة قرى الصيد ونقط وقوف القوارب على ضفاف البحار والمحيطات،.....إلخ.
