سندريلات إلى الأبد..
نجاة حمص
لا يخلو بيت مغربي من "سندريلا",فتاة يقع عليها عبئ المنزل كله,طيبة لدرجة أن طيبتها تترجم في القاموس الأسري على أنها ضعف شخصية,لا يراعى لها خاطر ولا تعطى لها قيمة على أساس "ياك غير فلانة",تقبل القيام بأعمال الآخرين رحمة بهم أو شفقة,ثم تجد نفسها ملزمة بالقيام بها غصبا..لاحقا.
تظل معتكفة في المطبخ,متأبطة مكنستها بشعار " مع المكنسة إلى المقبرة",تنظف من وراء من لا يهتم بجمع ازباله,تخدم من يعيقه الكسل عن القيام إلى حاجته,تربي الصغير حتى يكبر,تحمل هموم من لا يهتم أصلا بهمومه "راكلا" إياها وراء ظهره,تطبطب,تساعد,تتفانى...الخ,ورغم ذلك ليس لها حظ مع اقرب الناس,فتمني نفسها بعاقبة "السندريلا",تحلم بالأمير الذي سيبحث عنها بسبب فردة "شربيلها" التي تركتها وراءها في إحدى الحفلات..
وفي المقابل هناك أخوات "السندريلا",غالبا ما يكن مثالا للأنانية واللامبالاة,كل اهتمامهن ينصب على العناية بالبشرة والشعر,والقفز من حفلة إلى أخرى,تحت الرعاية السامية للوالدة,التي تهتم كثيرا بسلامة خواطرهن,تخشى غضبهن,معجبة بأناقتهن واهتمامهن بمظهرهن,مما يجعلهن أفضل صورة تسويقية للأسرة,سفيرات مفوضات,يحضرن غالب الأنشطة صحبة الأم التي تحرص على إظهارهن للناس,والمساعدة في البحث لهن عن عرسان مميزين,ولو أنهن في غنى عن خدماتها,ففيهن الخير والبركة..
أما التعيسة,المكتوب على جبينها "مطبخ",فهي محرومة من حضور أي نشاط,تخبا كلما زار البيت ضيف,لا تفرق بين ملابس شتاء أو صيف,ولو كانت على قدر من الجمال,فهذا لا يعفيها من "الكوزينة",قدرها المحتوم,رثة الثياب,فوضوية الألوان,ليس لها وقت لتلبس,ولا لها وقت لتنسق أسفل البيجامة مع أعلاها,ولا لتمشيط شعرها أو غسل وجهها حتى..
في الروايات,أكيد سيكون مصير "السندريلا",عريس يجعل من كان بالأمس يحتقرها,يفغر فاه مندهشا,ويعوض صبرها خير, لن يخيب أملها,ولن تذهب هباء دموعها,حتما ستستريح ذات يوم,وتتخلص من الأشغال الشاقة المؤبدة,ويصبح كل ما مرت به مجرد لكن في الواقع شيء أخر..
الأنانيات واللامباليات,سيرتبطن برجال يهيمون بهن عشقا,يخشون على مزاجهن كما يخشى تقلب البورصة ,مستعدون لإعطاء كلية من اجل ابتسامة رضا,سفريات وسياحة,عشاء من حين لأخر في الخارج,عطور وماكياج في كل مناسبة,ومن عيد المرأة لعيد الحب لعيد الأم,احسب..
سيستمر اعتناءهن بالبشرة والشعر,وطلاء الأظافر,وتتواصل حفلاتهن,ويحرص على إرضاءهن,لان الناس تحترم من يحب نفسه,ويعمل بشعار أنا ومن بعدي الطوفان,رغم اعتراضهم على مبدأه في البداية,إلا أن تشبثه به يجعلهم يخضعون له في النهاية,ولان اهتمام الإنسان بنفسه وعدم سماحه بالإساءة لشخصه,يفسر على انه قوة,والإنسان القوي ليس سهلا الاقتراب منه ولا حتى خدش شعوره بربع كلمة..
أما "السندريلا",فستسمر أعمالها الشاقة,والتي سيتضح لها أنها مؤبدة,كل ما في الأمر أنها انتقلت من بيت الأسرة إلى عش الزوجية,ستستمر في طيبتها,ويستمر عطاءها,وتصبر على حقها,سيتبقى "غير فلانة",لأنها لم تعرف كيف تحب نفسها قبل حب الآخرين,حرصت على جبر الخواطر,ونسيت أن لها هي أيضا خاطر يجب أن يصان ويحفظ,حملت هم الناس,ولم تفهم أن لا احد يهتم بها أصلا,لم تتعلم قول "لا",فصارت امة تقاد ولا ترفض,والعالم الواقعي لا يؤمن بالمثاليات,وسندريلا الروايات غير سندريلا الواقع..
لذلك ستبقى سندريلا للأبد..
