ما بعد صدور قوانين التقاعد بالجريدة الرسمية: هل انتهت المعركة؟

ما بعد صدور قوانين التقاعد بالجريدة الرسمية: هل انتهت المعركة؟

سعيد صابر

 

وَعَد و أوْفَى، قال أريد أن يُحَسَبَ لي قرار إصلاح التقاعد فكان له ما أراد. ليس لقوته ، و لا لخوفه على مستقبل البلاد، بل فقط لإرضاء أصحاب الإملاءات الذين رأوا فيه الشخص الذي سيأكلون الثوم بفمه، ولن يخرج بخفي حنين ، لأن تقاعده الذي لم يُمَس سيكون مكافأته الكبرى على قراراته اللاشعبية ، و أبدا لن يكون مصيره"حارسا للسيارات"كما خاف على من سبقوه أن يُصبِحوا. سيستفيد من أموال ليست من حقه كما سيستفيد منها الآخرون. ليقف أمام مريديه ليقول أن هذه الدنيا فانية و لن تحمل معك إلا عملك الحسن ، و يَعدهم بالجنة لأنهم الفرقة الناجية التي تحارب العلمانيين الفاسقين، و يَكفيهم شرفا أنهم يدافعون عن دين الإسلام ,دين المغاربة الشرفاء الذين هم فقط ينتمون إليه، أما معارضيه أو من يدعو  عليه بالليل و النهار، فهؤلاء فاسقون لن تُقْبَل منهم دعوة، هم ثلة  من السُّكارى و العلمانيين الذين يدعون إلى تحرر المرأة و تغيير شرع الله، هذا إذا سَلَّمنا أن هذا الحزب يُقيم فعلا شرع الله؟ 

  لن أُطيل في الكلام لأنه لم يعد ينفع، و لكن في إطار نظرية المؤامرة  و التخوين ، مادام الآخر يحسبوننا و يصفوننا بالتماسيح و العفاريت ، فإننا هنا ،أيضا نَتَّهِمُ النقابات و الأحزاب ، في الأغلبية أو المعارضة بالتواطؤ على تمرير هذه القوانين خدمة لأجندة خفية لا ندري كنهها, ربما لصالح الدولة العميقة ؟ من يدري؟ و دليلنا في ذلك هو اختيار توقيت المصادقة عليها و الذي تزامن مع نهاية ولاية الحكومة الحالية. هل هو غباء من الحكومة؟ لا أعتقد ذلك، لأن كل شيء مخطط و مُرَتَّبٌ له من أناس لا يلعبون في معترك السياسة جِزَافا. الكل يلعب دوره على أحسن وجه و يأخذ عنه المقابل المتفق عليه سلفا، سواء كان المقابل أراضي في طريق زعير أو قانون نقابات و أحزاب لم يٌمرَّر لحد الآن خدمة لمصالح أشخاص معروفين، أومناصب عليا يَتِمُّ التعيين فيها ، إقبار مبادرة إلغاء تقاعد الوزراء و البرلمانيين أو  الخ.....، مادامت الثقة قد انعدمت بيننا  يمكننا أيضا التشكيك في أي شيء وفي أي شخص،  ليبقى الضحية هو الشعب البسيط و الموظفون البسطاء الذين يُصدقون هؤلاء السياسيين، رغم أن الواقع أثبت أكثر من مرة أن وعودهم لا تُنَزَّل على أرض الواقع :" صندوق المقاصة ، رفع الدعم عن المواد البترولية  كمثال: حيث إصلاحهما المزعوم لم ينعكس ايجابيا على الشعب المغربي : إذا كانت الشركات الكبرى فقدت دعم الدولة ، فإن الفرق بين ثمن برميل النفط على الصعيد الدولي و ثمن بيعه للمواطن يُعطيك نسبة الأرباح الخيالية لهذه الشركات يامَن تُطَبِّل للإنجازات الوهمية.

 أما النقابات ، فرغم ادِّعاءها الدائم أنها ضد قوانين التقاعد، إلا أن ردة فعلها لم تكن أبدا  في المستوى المطلوب , لأنها من الشركاء الأكثر "تمثيلية"، و لقد مثلت دورها على أحسن ما يرام، بل إنها برعت فيه جدا  و تستحق جائزة "الأوسكار" فبعد أن نَوَّمَت الموظفين في العسل و ادَّعَت اقبار الملف في مجلس المستشارين، في غفلة من الزمن وبقدرة قادر فقدت أغلبيتها المزعومة في المجلس و مكنت ممثلي الحكومة من تمريره مدعية خرق الحكومة لقوانين هذا الأخير، و هي تعلم جيدا أن الموظفين سيصدقون قولها كما صدقوا كل الأكاّذيب التي مرت عليهم منذ سنين خلت.

اليوم، بعد صدور القوانين بالجريدة الرسمية، من ياتراه سنصدق الآن؟  ماهي الخطوات المُقْتَرحة للتصدي لهذا القرار الجائر؟ هناك مثل إنجليزي يقول: "لافائدة من البكاء على الحليب المسكوب"  و يُقَابله في دارجتنا المغربية:" البكا من ورا الميت خسارة". 

  النقابات توعدت بصيف ساخن،  فعلا لقد عشنا صيفا ساخنا ارتفعت فيه نسبة الحرارة إلى درجات قياسية لم يشهدها المغرب منذ سنوات. ولذلك اختار كبار النقابيين الاستجمام في المناطق التي تُطْفئ لهيب هذا الحر ،فاتِحة المجال للتنسيقية الوطنية لإسقاط قانون التقاعد التي كانت النقطة الوحيدة المضيئة كل هذه المدة، لكنها للأسف لم تجد الدعم المنتظر من الموظفين الذين تراهم يُعبِّرون عن سخطهم و تذمرهم من الإصلاح من وراء أزرار الحواسيب لكن عندما تُطالبهم بالنزول إلى الشارع، تبدأ التبريرات الواهية من قبيل : "كنت أتمنى الحضور لكن.... معا جميعا ضد...فات الأوان... ووو" .

  لا أريد أن أكن عَدَميًّا أو متشائما، لكن هناك إشارات تبين أن التنسيقية لن تؤثر في الموضوع سأذكرها باختصار:

أولا: التنسيقية تفتقد للدعم المالي و اللوجستيكي والقانوني الذين بدونهم كَبَّلوا تحركاتها و قانونيا لايُمكنها الجلوس مع أعضاء الحكومة لشرح مطالبها و دفع الدولة إلى التفاوض معها.

ثانيا: عدم انخراط جميع الموظفين في حملة التنسيقية لإسقاط خطة إفساد التقاعد، "ليس خطأ مطبعي".حيث يُعابُ على التنسيقية  الاعتماد شبه الكلي على انخراط  رجال و نساء التعليم في الاحتجاجات وكأنهم الوحيدون المعنيون بالأمر دون الموظفين الآخرين في قطاع الوظيفة العمومية.

ثالثا: الحرب المعلنة" سِرّيًا"  ضدها من طرف النقابات الأكثر تمثيلية التي ترى أن وجود التنسيقية يمثل تهديدا لمصالحها ووجودها و استمرارها، لذا لا ينفك زعماء النقابات في تبخيس عمل التنسيقية ، بل حتى هدم ما تحاول القيام به.

   رغم صدور قوانين التقاعد بالجريدة الرسمية ، إلا أن غالبية الموظفين يجرون وراء شراء الخروف  في الوقت الراهن و في مصاريف الدخول المدرسي، و لن يَشْعُروا بالضربة إلا بعد الشُّروع في الاقتطاعات الشهرية، و إذا كان المتخاذلون أيام الإضرابات يَخافون من اقتطاع يوم ، فإنهم قريبا سيُقْتَطَعُ لهم شهريا، و سيشرعون في التباكي من جديد دون أن يُحركوا ساكنا. لكن هل سينفع ندمهم؟ أم نقول لهم أنهم يستحقون ما سيحصل لهم؟ لسنا من الشامتين لأن القرار يعنينا أيضا.

  إذا ما الحل؟

لا أعتقد أن الوقفات الاحتجاجية قد تُجدِي نفعا في هذه الأوقات، رغم أنها قد تبدو ورقة ضغط كبيرة على الحكومة لأن هذه الأخيرة تُعَوِّل كثيرا على تخاذل الموظفين الانتهازيين للطعن في مشروعية الاحتجاجاتالتي دائما يُحركها أعداء الإصلاح حسب زعمها دائما أو يُحركها التحكم. كما أن حمل الشارات هو حل الضعفاء الذي سيجعلنا عُرضَة للاستهزاء من طرف الحاقدين.

هل الحل هو القبول بالأمر الواقع؟ الجواب أكيد لا و ألف لا. هناك حلان لا ثالث لهما في اعتقادي المتواضع:

 أولا : مقاطعة الانتخابات جملة و تفصيلا ، و هذا له تكلفته السياسية و الاقتصادية الغالية على الوطن، التكلفة التي لن يستطيع تحملها أحد ، لكنها قد تُغير قيادات كبرى في الأحزاب و النقابات لأن هذه القيادات  ستكون فشلت في تحقيق الهدف من وجودها أصلا ، ألا و هو تأطير الشباب سياسيا.و إذا حصلت مقاطعة فماجدوى وجود هذه الكيانات أصلا؟

 ثانيا: التصويت العقابي على الأحزاب الأربعة المشكلة للحكومة الحالية، و على رأسها حزب العدالة و التنمية ثم الحركة الشعبية، التقدم و الاشتراكية و الأحرار. لكن قبل ذلك يجب أن يفوز الحزب الذي يتضمن برنامجه الانتخابي و السياسي وعدا كتابيا و التزاما بأنه سيُغير هذه القوانين إنْ فاز في الانتخابات.

 من دون هذه الأشياء، لا أعتقد أن تغييرا قد يحدث على هذه القوانين، لأن غالبية الموظفينيفكرون في أنفسهم فقط، و لا يريدون أن يضحوا ولو بالقليل من وقتهم و جهدهم لإسقاط هذا الإصلاح_ الإفساد المزعوم.

  إن الانخراط اللامشروط للموظفين في عملية اسقاط هذه القوانين الجائرة ، أو في إسقاط الحكومة الحالية هو السبيل الوحيد لنجاح المبادرة التي أطلقتها التنسيقية الوطنية، ماعدا ذلك، ستبقى دار لقمان على حالها.

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة