القضية المنسية

القضية المنسية

عادل اعياشي

 

لم تعرف قضيةٌ قطُّ اهتماما وانشغالا عربيا وإسلاميا مثلما عرفته القضية الفلسطينية منذ أربعينيات القرن الماضي، وذلك راجع لمدى الجرح الغائر الذي خلفه احتلال فلسطين إبان النكبة وتبعثر أوراق العرب وإحساسهم بخنجر الغدر والخديعة الذي ما زال نصله لم ينسل من ظهر الوطن العربي إلى اليوم. وقد شكل احتلال فلسطين فاجعة كبيرة وإحباطا مريرا جعل الحلم العربي في مهب الريح وأوجد عدوا شرسا أنهك قوى العرب واستفاد من دعم الدول العظمى له والتي كانت السبب الرئيسي في تنامي هذا السرطان الخبيث.

تظل الكلمات حائرة والسطور عاجزة على وصف مكانة القضية الفلسطينية في قلب كل عربي وتأثيرها البالغ على الصغير والكبير، فلا تكاد تجد منزلا عربيا يخلو من الكوفية أو من لوحات معلقة تجسد لمظاهر النضال الفلسطيني أو مجسمات لبيت المقدس وقبة الصخرة، ولا تكاد تجد في كل بلد عربي مقررا دراسيا يخلو من ذكر القضية الفلسطينية بين محتوياته ومن ملاحم وبطولات سطرتها سواعد رجال خلدهم التاريخ وقدموا أنفسهم رخيصة في سبيل ارض طاهرة مغتصبة و شعب مضطهد مظلوم، ورغم كل ما يروج حول هذه الأزمة من صراع الشرق والغرب وعلاقة الأديان فيما بينها ومسألة معاداة السامية وغير ذلك فإن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية الأولى وجوهر الصراع العربي الإسرائيلي إلى الأبد.

لقد عانت القضية الفلسطينية وما زالت من تجاهل المنتظم الدولي الرسمي لها وعدم ارتقائه إلى مبادئ العدالة الإنسانية وحق الشعوب في التحرر كما جاء في المواثيق والمعاهدات الدولية الموقَّع عليها، بل وعلى العكس من ذلك تماما فقد غض الطرف عمدا عن جرائم الكيان الصهيوني المتوالية في حق أبناء الشعب الفلسطيني وسعيه الدؤوب إلى بسط سيطرته على ما تبقى من مناطق ممزقة تابعة لنفوذ السلطة الفلسطينية، دون أن يحرك هذا المنتظم المعتوه ساكنا مخافة أن يعكر صفو الكيان الغاصب في تناقض صارخ لما يدعو له مرارا وتكرارا في المحافل والمنابر الدولية من قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. غير أن القضية الفلسطينية استطاعت بحنكة أبناءها أن تفرض نفسها بقوة على الساحة الإعلامية الدولية ودفعت قنوات عالمية مرموقة إلى تسليط الضوء على حجم المأساة التي يعيشها الآلاف من الفلسطينيين ممن احتلت أرضهم وطردوا منها بالقوة، وفي المقابل عمدت قنوات أخرى معادية إلى طمس الحقائق وإظهار المحتل بمظهر المدافع، إلا أنها فشلت إلى حد كبير في تكريس هذه الصورة المزيفة حيث آمن الناس بعدالة القضية الفلسطينية وهبت جمعيات ومنظمات حقوقية من مختلف الجنسيات لتوثيق جرائم الكيان الصهيوني بالصوت والصورة وفضحه أمام العالم، إذ كان لها دور فعال في إيصال الصوت الفلسطيني لكل أرجاء الأرض والتأكيد على أن القضية الفلسطينية سوف تظل وصمة عار على جبين الإنسانية.

إن فشل المشروع العربي القومي ككل في إقامة وحدة عربية متكاملة وفشله أيضا في إنشاء أو امتلاك ترسانة أسلحة متطورة رغم سعيه الحثيث لذلك وخذلان الدول الأوروبية له وعلى رأسهم فرنسا، ساعد وبشكل حاسم في تنامي النفوذ الصهيوني واتساع أطماعه في الأراضي العربية، وقد غذّى هذا التعجرف غياب رادع حقيقي يستطيع أن يوقفه عند حده بعد أن قُبر الحلم العربي في مهده، وهذا ما يفسر امتلاك إسرائيل اليوم لترسانة نووية هائلة

تستطيع بها تدمير جميع الدول العربية في ظرف دقائق معدودة وهو الأمر الذي لا تحبذه بقدر ما تفضل سريان ما يمكن نعته بحرب باردة من طرف واحد على نحو ما عليه الأمور اليوم من ترهيب دون مواجهة ومن تحكم واستيطان بلا هوادة.

تتعدد التحليلات السياسية والتأويلات العسكرية حول ما يعيشه المشهد العربي اليوم من تشرذم وتشتت وكأنه جسم مريض ألمت به كل العلل والمحن في وقت واحد، ورغم الخلاف القائم على أسباب وتداعيات هذه المرحلة المضطربة بامتياز، فإن المتفق عليه هو أن الكيان الصهيوني لم يسبق له أن استفاد من وضعية استراتيجية تخدمه بكل المقاييس كالتي يستفيد منها الآن، بل ولم تخطر على باله والله أعلم وهو الخبير بحيل الأمور ومكائدها والمحاط بهالة استخباراتية مرعبة، أن تؤول الأمور على هذا النحو بما يخدم مصالحه وطموحاته بشكل مباشر، هذا ما يمكن أن يلمسه ويحسه كل متتبع للشأن العربي الإسرائيلي، وهذا ما أدى كنتيجة منتظرة إلى حصر القضية الفلسطينية في زاوية ضيقة وتجريدها من صداها الإنساني والتعتيم عليها والانشغال عنها بل واتهامها اتهامات خطيرة تسيء لمسيرتها النضالية الطويلة.

إن القضية الفلسطينية جزء لا يتجزأ من مصير عربي مشترك، وإضعافها رهين بإضعاف قدرات العرب الدفاعية والهجومية وإبقاءنا الحلقة الأضعف في المنطقة والصوت الخافت الذي لا يكاد يُسمع والخصم الذي لا يُصرّف طاقاته إلا في حزازاته الداخلية الفارغة من أي مضمون أو هدف. إن أي طموح لنا في بلوغ مصاف الدول المصنعة أو المحققة لاكتفائها الذاتي على الأقل، لن يبرح مكانه إلا وقد أُعدم في أول خطوة يخطوها هذا المشروع الذي يمس سلامة إسرائيل ويهدد أمنها تماما كما تحب أن تراه هي وحلفاؤها الأغبياء، فعلينا والحالة هذه أن نبقى شئنا أم أبينا في سجن كبير اسمه دول العالم الثالث المتخلف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، غارقين في الأزمات الاقتصادية والنكسات الاجتماعية والخلافات البينية، وأن تظل الدولة العبرية القوة القاهرة المهيمنة في المنطقة عسكريا واقتصاديا وحتى سياسيا كونها تمثل وبمباركة أمريكية شعلة الديمقراطية وأنموذجا فريدا تنبثق منه دروس الرحمة والإنسانية ومبادئ العدالة والسلام! ولنا فيما مضى من أحداث واعتداءات ما يؤكد هذا التوجه تأكيدا قاطعا، فالكل يتذكر كيف أُتلف قلب المفاعل النووي العراقي في فرنسا قبل سويعات قليلة من نقله إلى بغداد سنة 1979، وكيف دُمّر المفاعل العراقي تموز بعد ذلك بغارة إسرائيلية بـ16 صاروخاً في دقيقتين فقط كانت كافية لدفن مشروع عراقي شجاع حمل بين ثناياه حلم أول مفاعل نووي في العالم العربي، كان سيشكل نقلة نوعية لو كُتب له البقاء ونهضة تكنولوجية فارقة ستغير ميزان القوة في المنطقة وستدفع العدو إلى التفكير ألف مرة قبل القيام بأي اعتداء على الأراضي العربية. كما لا ننسى سياسة الاغتيالات وتدمير العقول العربية التي نفذتها إسرائيل في حق علماء كبار من بلاد ما بين النهرين من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات بكيفية مدروسة ومحترفة وبتواطؤ مع تجار المصالح، ثم إلصاقِ هذه العمليات بعد ذلك بجهات كانت طرفا في الصراعات الدامية هناك حتى تؤجج الخلاف أكثر وتعرج بالأمور إلى الأسوأ ضاربة عصفورين بحجر واحد، كل هذا لم يكن ليحدث لولا أن العراق آنذاك بدتْ عليه معالم التقدم والرقي واضحة وضوح الشمس، وأصبح يفكر بصورة جادة في تأهيل اقتصاده وتعليمه وطرْقِ باب الصناعات الثقيلة المتقدمة، فكان له ما أراد ولكن بطريقة دراماتيكية مؤسفة رأيناها وعشناها بجوارحنا وأعصابنا إلى أن تلاشى شيء اسمه عراقٌ من الوجود.

إنها حسابات محسومة ووعود مقطوعة تلك التي تشبث بها الكيان الصهيوني وجعلها من ركائز المخطط اليهودي التوسعي، فلا مستقبل للعرب في ظل هذا التوتر وهذه الخلافات التي تشعبت بشكل معقد وأصبح من الصعب احتواؤها، كما أن القضية الفلسطينية تعيش أحلكَ أيامها من نسيانٍ وإهمالٍ دولي وعربي وإقبارٍ لحُلمٍ فلسطيني في دولة حرة مستقلة عاصمتها القدس الشريف، فمسلسل المفاوضات قد عُلّق لأجل غير معلوم، ورعاة السلام منهمكون في نشره في مكان آخر، فلا مفر من إعادة النظر في أسس القضية الفلسطينية وتجديد آلياتها ومنظومتها والتفكير في مكامن الخلل وعدم الاتكال على جهة من الجهات أو الانجرار وراء أوهام كاذبة ومؤامرات صارخة، فسواعد الفلسطينيين أثبتت أنها قادرة وحدها على مواصلة التحدي والمضي قدما في درب المقاومة إلى حين النصر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة