لمياء..كون غير بقات فالمغرب
نجاة حمص
العديد من الناس الذين تابعوا الفيديو الذي صورته المغربية المحتجزة بالديار المقدسة"زعما",ابدوا امتعاضهم من لجوء بعض المغربيات للعمل في بيوت الخلايجة,والكثير لاموا الفتاة التي تذرف بدل الدمع دما,وربتوا على كرامتهم المجروحة ببعض المسكنات:"بغات فلوس الخليج","ا ش داها","الزيغة","قطران بلادي ولا عسل بلادات الناس"..
فرضا,سنتخيل أن هذه الفتاة فضلت قطران البلاد على عسل الخليج,وعملت بمشرق الأنوار,منبت الأحرار,أكيد أنها ستلاقي الأمرين من حدثاء النعمة وقدماءها,ستعمل بدون عقد عمل,دون حقوق,وستثور وتطالب بحقوقها فتطرد, ستجلس رفقة من لا يحسن لحس الأحذية,والدعاء لمول الشي بطول العمر,وتنتظر الفرج,ستحس كأي فتاة تعيش مع والديها رفقة ابنتها,بأنها عالة,بأنها حمل ثقيل,ستجيب بالنفي إذا سئلت "خاصك شي؟",ستحمد الله كلما سئلت عن حالها,لان كرامتها تمنعها من إبداء حاجتها,وتكوم في قلبها جبال من الأماني,وتصبر على التلميحات والمعاني..
ستمر على الدكاكين فيتعلق بصرها بثوب أو بمنتوج عناية بالبشرة أو الشعر,ستبتسم في حزن,وتدفن الدمعة قبل أن تولد,وتكمل سيرها,ثم تصادف بائعا متجولا يحمل ألعاب الأطفال,ستتمنى لو أن لها ما تشتري به لعبة لطفلتها,ستدخل يدها في جيبها ثم تخرجها خاوية,ستمشي على قدميها لمسافات,لأنها لا تملك أجرة النقل,ثم تعود إلى بيتها..
ستحمد الله على الأربع جدران,لكن شعورا يعكر عليها الإحساس بالأمان,شعور بأنها ثقيلة على كل من في البيت,رغم أن الكل يحاول ألا يشعرها بذلك,لكن نفسيتها الحساسة تؤرقها,نفسية تدقق في كل عبارة,كل كلمة,كل حركة..
ستحاول أن تكسب رزقها بسلعة بسيطة تصنعها,ستفرش لها,وتعرضها على الناس,ستفرح بكسبها في أول يوم لها,وترجع للبيت رفقة دريهماتها,بعدما مرت على بائع اللعب البلاستيكية واشترت بالونه لابنتها,ستضع تلك الدريهمات في كف والدها وهي تبتسم في فرح,لكن الأب سيرفض قبولها,ويقول لها بأنها ابنته,وانه لن يتعب من حملها والقيام بأمرها,وبأنها صغيرته التي لا تكبر,سيغلبها التأثر وتدفن وجهها في صدره,فيحوطها بذراعيه وهو يربت على ظهرها..
ستكسب في اليوم الثاني والثالث,وستعرف عن الزبائن,فيقبل الكل على سلعتها,لكن في يوم ما,سيهجم أعوان السلطة على البائعين والبائعات,سيحمل كل منهم سلعته ويطلق ساقيه للرياح,وستبقى هي واقفة وحائرة,تتساءل عن سبب الهجوم,لن تستجيب لنصائح الفارين بحمل سلعتها والهروب,ستقف بشجاعة لأنها لم تفعل ما تخاف العقوبة من اجله,سيحاول احد الأعوان اخذ السلعة,لكنها ستتمسك بها,وتتعارك معه عليها,فيدفعها وتسقط,ثم تقف وتحاول استعادة رزقها كاللبؤة,لكن العون سيدفعها بقوة اكبر,ويفسد سلعتها أمامها,فتغلبها دموع القهر والعجز,ستلتفت ذات اليمين وذات الشمال بحثا عمن ينصفها,أو يدافع عنها,الكل يتفرج ولا واحد من المواطنين تحركت فيه شعرة,الكل يحمد الله أنها "جات" فيها ولم تصل إليه..
سترفض الانصراف وإخلاء المكان,مما سيجعلهم يقتادونها للقايد,ستدخل مكتبه,وبعد فترة ستخرج غير تلك التي دخلت,ستخرج ذاهلة,ممتقعة,مرتجفة,ستخرج بشعر أشعث,أعين شاردة,تمشي بغير هدى,نظرات لا حياة فيها,عبارات غير مفهومة,حركات غريبة,كأنها تحدث نفسها..
ستسكب البنزين على جسمها,ثم ستضرم النار بأيد مرتجفة,واعين زائغة,وتدور حول نفسها وهي مشتعلة,قبل أن تتهاوى ساقطة,آنذاك سيشاهدها ويلحظها الكل..
سيفتح تحقيق في قضيتها التي ستشعل مواقع التواصل الاجتماعي,ستخرج مسيرات ومظاهرات احتجاجا على قمعها,القمع الذي تسبب في انتحارها,ثم سينسى الكل قضيتها,وينشغلون بالحروب بين الفنانات,ومتابعة السهرات..
