زيارة جلالة الملك إلى تونس الشقيقة أسست لتعاون ثنائي استراتيجي وتبني مفهوم جديد للاتحاد المغاربي

زيارة جلالة الملك إلى تونس الشقيقة أسست لتعاون ثنائي استراتيجي وتبني مفهوم جديد للاتحاد المغاربي

عبد العزيز الادريسي

 

إن الزيارة التي قام بها جلالة الملك محمد السادس إلى تونس الشقيقة تعد في رأيي الخاص زيارة ذات بعد استراتيجي للدبلوماسية المغربية، حيث أن هذه الزيارة جاءت في ظل ظروف لا يمكن أن يقال عنها إلا أنها ظروف عصيبة تمر منها المنطقة اقتصاديا وسياسيا بعد موجة ما يسمى بالربيع العربي.

وهذه الزيارة ستساهم في خلق أجواء نقية لبناء الاتحاد المغاربي وذلك بتبني مفهوم جديد، وأساسا أن هذه الزيارة جاءت في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها المنطقة بعد الربيع العربي الذي عرف المغرب خلاله استقرارا سياسيا واجتماعيا في المنطقة دون غيره.

وزيارة جلالة الملك لدولة تونس الشقيقة التي عرفت ارتداد ما يسمى بالربيع العربي، تهدف إلى تعزيز التعاون المجالي للتصدي إلى التطرف والإرهاب الذي يهدد استقرار المنطقة من خلال اليقظة واتخاذ إجراءات احترازية واستباقية تبدد مخاوف شعوب الاتحاد المغاربي من الإرهاب والتطرف، وإن هذه الزيارة لتعد فرصة ذهبية لإعادة التفكير في بناء الاتحاد المغاربي وفق استراتيجية شمولية واضحة ومتكاملة وتشاركية وفق الثوابت والعوامل السياسية لكل قطر من أقطاره الخمسة، لأن علاقة دول المغرب العربي يجب أن تكون علاقات أخوية تختلف عن العلاقات الدولية المتعارف عليها، وهذه العلاقات الأخوية يمكن أن تساعد على التضامن والتكافل والتآزر ووحدة الصف، وبالتالي إغلاق منافذ كل ما من شأنه أن يبث نوازع التفرقة والتجزيء والقلاقل، لتتفرغ المنطقة لتوظيف قدراتها الاقتصادية والسياسية والثقافية في مجال صناعة الإنسان المغاربي الذي هو القوة الحقيقية للتنمية والحفاظ على الثوابت والعادات والتقاليد والتراث، فضلا على أن المنطقة تعتبر مجالا خصبا لسوق اقتصادية واسعة، تمكن من جلب الاستثمار الخارجي وتحقيق النمو المغاربي، ومن هنا يمكن التغلب على التحديات بإيجاد حلول ناجعة للخلافات القائمة بين بعض دول الاتحاد المغاربي، ثم التفرغ لمواجهة تحديات أخطار الإرهاب وتنامي المد الإسلامي المتشدد، أو ما اصطلح عليه بالتطرف الديني الذي يطرح تحديات فعلية قد تهدد الأمن الداخلي لهذه المنطقة، ومن تم صيانة استقلالية كل دولة من دول الاتحاد إلى جانب تحقيق التنمية لكافة شعوب هذا الاتحاد المغاربي، من خلال مشروعات استثمارية وبرامج مشتركة وتشاركية تصب كلها في صناعة الإنسان المغاربي، ليكون فاعلا في المجالات الثقافية بإقامة تعاون يرمي إلى تنمية التعليم على اختلاف مستوياته، والحفاظ على القيم الروحية والأخلاقية المستمدة من تعاليم الإسلام والشريعة السمحة مع صيانة الهوية المغاربية، وهو ما تم التأكيد عليه في اتفاقية مراكش في 17/02/1989، غير أن طموحات شعوب المنطقة ظلت هزيلة ولم ترق إلى المستوى المطلوب، حيث بقيت متعثرة وخاضعة لعوامل التنافر، الأمر الذي أدى إلى الفتور في توطيد العلاقات الثنائية بين دول الاتحاد الذي بقي مرهونا بإيجاد الحلول الناجعة للملفات العالقة وأساسا بين المغرب والجزائر، وعلى كل حال، فإن الزيارة الملكية لتونس أيام 30 و31 مايو وفاتح يونيه 2014 تعد تاريخية وفرصة مواتية لإعادة التفكير من جديد من أجل تبني مفهوم جديد واستراتيجي لبناء الإتحاد المغاربي الذي انتظرته شعوب المنطقة طويلا.

أعتقد جازما أن الزيارة الملكية لتونس الشقيقة كان لها وقع جد إيجابي في إعداد الأجواء لتفعيل معاهدة 17/02/1989 في مراكش، وما يعزز هذا، التوقيع على تلك الاتفاقيات المتعددة المجالات من أجل التعاون الثنائي المغربي التونسي لأن العلاقات المغربية التونسية علاقات وثيقة وأخوية متجدرة في التاريخ، وما يدعم هذه العلاقات الثنائية هو التشابه والتقارب في العادات والتقاليد بين شعوب البلدين الشقيقين المغرب وتونس، وأكثر من هذا الروابط الروحية الإسلامية والشريعة السمحة، والتفاعل مع المحيط الديني والمذهب المالكي، ولقد تأكد هذا الترابط الروحي عندما أدى أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس وفخامة الرئيس التونسي منصف المرزوقي صلاة الجمعة بمسجد مالك بن أنس، وهو المسجد الذي بناه الرئيس المعزول زين العابدين بن علي والذي كان يحمل اسمه وبعد الثورة المجيدة أصبح يحمل اسم الإمام مالك بن أنس الذي المغرب وتونس هما على مذهبه.

وبما أن تونس الشقيقة خرجت لتوها من ارتداد ما يسمى بالربيع العربي الذي خلف لها الكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي الآن في طور الانتقال الديمقراطي، فإنه وبحكم تجربة المغرب وكفاءاته البشرية بإمكانه مساعدة تونس الشقيقة على إعادة البناء وتسريع تنفيذ المشروعات التنموية، فضلا عن المصالحة من خلال التسامح والصفح وجبر الضرر، وأساسا أن الأشقاء في تونس يتصفون بالنخوة والأنافة والتسامح.

وإن تعاون دول المنطقة المغاربية لا يحتاج إلى استيراد، حيث أن كل شيء مهيأ ينتظر إرادة قوية وعزيمة صادقة وإيمان راسخ بوحدة دول الاتحاد المغاربي، واللوم هنا ليس على المملكة المغربية، وفي هذا الإطار، لا بد من التذكير بان المغرب ومنذ مؤتمر الأحزاب السياسية الوطنية المغربية التونسية الجزائرية الذي انعقد في طنجة سنة 1958، الذي شكل اللحظة الهامة في مشروع البناء المغاربي، والمغرب ومنذ ذلك التاريخ يدعم كل مبادرة لتفعيل الاتحاد المغاربي، ونلمس هذا بشكل واضح في الدساتير المغربية، وخير دليل على تعلق المغرب بالاتحاد المغاربي خطاب جلالة الملك أمام أعضاء المجلس الوطني التأسيسي التونسي الذي عبر من خلاله على مدى بعد نظر جلالته وتصوراته لمستقبل هذا الاتحاد المغاربي حيث كان مركزا في إشارات موجهة واضحة وقوية ذات بعد استراتيجي، ونصائح لها دلالتها العميقة وقيمتها السياسية الوازنة، فمخطئ الذي لا يأخذ بها.

فبناء الاتحاد المغاربي أصبح مطلبا ملحا لشعوب المنطقة، وبفضل الزيارة التي قام بها جلالة الملك إلى تونس الشقيقة، فإنها وبدون أدنى شك دشنت لعهد جديد للعلاقة المغربية التونسية، وسطرت لخارطة طريق تنموية بين البلدين الشقيقين، وأنها خلفت آثارا جد إيجابية على نفوس التونسيين، وهو ما يعزز ويقوي الروابط الأخوية التاريخية بين البلدين، كما أنها تركت صيت واسع في إشعاع التعاون الثنائي المتميز بين المغرب وتونس، وقراءة جديدة لصفحات التاريخ الذهبي المشترك من خلال وسائل الإعلام الإقليمي والدولي، وتلك هي سياسة الاعتدال، والحكم الرشيد لجلالة الملك محمد السادس الذي من خلالها أصبح للمغرب إشعاع حضاري واجتماعي ودبلوماسي، واستقرار سياسي، واقتصادي في الوقت الذي يعرف فيه العالم أوج الأزمات الاقتصادية والسياسية، أما ما سيعزز هذا الإشعاع ويقوي من دور المغرب الإقليمي والدولي تلك الزيارات التي سيقوم بها جلالة الملك إلى بعض الدول في أوروبا الشرقية وآسيا، وأخص بالذكر هنا روسيا الفيدرالية، والصين الشعبية، فضلا عن الزيارة الرسمية التي سيقوم بها رئيس أكبر دولة صديقة للمغرب في شخص السيد باراك أوباما، وهي أول زيارة رسمية لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى إحدى دول إفريقيا الشمالية "المغرب" الذي تربطه بالولايات المتحدة الأمريكية علاقة صداقة ومودة وتفاهم وتحالف منذ استقلال هذه الأخيرة، وهي علاقة لم تؤثر فيها عوامل الزمان، أو المتغيرات السياسية الدولية المتسارعة، وهي علاقات قواعدها المصالح المشتركة في إطار تحالف استراتيجي يتميز به المغرب منذ عهد فخامة الرئيس جورج واشنطن الفيدرالي 1789/1797 إلى عهد ضيف جلالة الملك المنتظرة زيارته إلى المغرب الرئيس الحالي الديمقراطي السيد باراك أوباما، ومما لاشك فيه أن موقع المغرب في علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية سينتقل من الحليف الاستراتيجي إلى الشريك الاستراتيجي.

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة