حقّ العودة.. ونظرية " المَجال الحيوي "

حقّ العودة.. ونظرية " المَجال الحيوي "

عدنان بن صالح

 

في مثل هته الأيـام من شهر ماي المُنصَرِم، كان أصحاب القضايا والمُنشَغِلون بهموم الأمّة والمُنزَعِجون فكريا وسياسيا ووجدانيا من الاتّساع والتمدُّدِ المُفرِط لبُــؤر التّوتُّر القديمة والجديدة التي تُعانِي منها الأمّة الإسلامية والعربية، على موعدٍ مع الذّكرى السّتّة والسّتّين للنّكبة السوداء التي تعرَّض لها الشعّب الفلسطيني النّبيل، على يد الكِيان الموبوء، ربيب الإمبريالية التّخريبية الجَشِعة وفي مُقدِّمتها فرنسا وبريطانيا وأمريكا، اللّواتِي دعّمنَ زُمــرة الرّوشّلديين (وذلك منذ نهاية القرن الثامن عشر) وحفّزتهم لضخّ أموالهم الرّبوية لصالح الإجراميين الأوائل ذوي النّزعات الصهيونية المتطرّفة، وخِدمةً لفكرةِ الخلاص الأبدي. ذاتُ الدّولِ احتَضَنت بكل مشاعر الأخوّة المُزَيَّفة دعوات قادة الحركة الصهيونية وعلى رأسهم ماكس نوردو وثيودور هيرتزل الساعِية إلى تهجير اليهود من أوربا التي ازدحمت بهم وتوطينهم في أرض فلسطين (الفارغة من شعبها _ كذا تَرى العقلية الصهيونية المسألة _)، ومرّت السّنين وازدادت الرغبة الجامحة لدى الصهاينة في توسيع المجال الجغرافي لصالحهم وتقوية الكتلة الدّيمغرافية الهجينة بأرض الدّيانات الثلاث، إلى أن تمّ الإعلان عن إنشاء دولة " إسرائيل " مساء الرابع عشر من شهر ماي من العام 1948م، حيث شرعت سياسة التّوطين والإحلال تزحفُ على الأخضر واليابس من جُغرافية الأنبياء، فـتَمَّ طردُ أزيد مِن ستّين ألفاً من سُكّان غَـربَيْ القدس الشّريف. وخلال الفترة المُمتَدّة ما بين 1948 – 1951م اسـتُـقْدِمَ أزيدُ من أربعةٍ وخمسين ألــفاً من يهود العالم واستوطنوا المدينة المقدّسة. وفي سنة 1967م أكملت الدولة الصهيونية طردها لسكّان الضّفتين واحتلال شرقي القدس الذي كان تحت السيادة الأردنية والذي يعدّ جزء من الضّفة الغربية.

أحد النتائج الكارثية لقضية النّكبة الفلسطينية تلك المُرتبِطة بمسألة الإجلاء والتطهير والتّهجير الذي طال آلاف السُّكان من أصحاب الأراضي الحقيقيين الذين ورثوها كابِراً عن كابِرٍ مِن زمان، الأمر جعل المُنتَظم الدولي والدول المُجاورة لفلسطين أمام مُعضِلة ديمغرافية وقانونية وسياسية غير مسبوقة، حيث سترتبط مسألة التّهجير القسري والإبعاد عن الديار بمسألةٍ مِن ذاتِ جِنسها ألا وهي الحقُّ في العودة .

تُعتبر قضية " حق عودة اللاجئين " (عرب الشّتَات) مِن الثوابت الرئيسية للقضية الفلسطينية العادلة منذ فجر التهْـــجير (القسري) للفوج الأوّل مِن شَـعْـب فلسطين، وما تَـلَـتْهُ مِن أفواج عانت من ويلات التهجير والإنفاء المُمنْهَج الذي لا زال يُمارَس في حقها إلى الآن. وتعود جذور التفكير في إجلاء الشعب صاحب الأرض إلى الخلفية المعرفية لمهندِسي السياسات الصهيونية الأوائل، الذين أقاموا أطروحاتهم على فرضيات متعددة تقول : " بما أنّنا نملك كتاب التوراة؛ ونحن شعب التوراة؛ فإنّ علينا أن نمتلك جميع الأراضي التوراتية "، و" ليس هنالك شعب فلسطيني، إنّ المسألة ليست أنّنا جئنا وألْــقينا بهم خارج بلادهم بعدما انتزعنا منهم أرضهم؛ بل إنّــهم لا يُوجدون أصْــــــلاً! "، و" أرضٌ بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض " .. إلى آخر تِـلْكـُم المقولات العَدمية المتطرِّفة، والتي تستقي في واقع الأمر من نظرية خطيرة ظهرت في أوربّا، وخاصة في ألمانيا مع صُعود نجم الحزب النازي المؤمن بشعار "ألمانيا فوق الجميع"، والماتِح مِن مَـعين أطروحات متشدّدة تَشَرَّبَتْهَا كروموزومات قياداته ونفخت بها في أرواح ملايين المُجنَّــدِين في الحزب النازي الوحيد والأوحد..


فــلِإِجْـراءِ إنجاز تاريخي يُـمهِّد لهيمنة الحزب النازي على ألمانيا ومِن ثَمَّ باقي بلدان أوربا آنئذٍ، لجأت العقول الجبارة في " الجِيستابو الألماني " إلى انتهاج نظرية تقوم على أساس المَـيْـز العنصري والتفوُّق الجِـــيني، وعلى أنّ البشر لم يُخْـــلَقُوا من نفس واحدة، بل منهم من هو من النفس (الوضيعة) ومنهم من هو من أصول النفس (الرفيعة)، بطبيعته البيولوجية طبعاً، فاعتبروا أنّ العرق الآرِي هو العرق الأنقى والأقوى والأبقى والأرفع والأنفــع، ومِن ثمَّ فللحِفاظ على نقاوة الدّم والعِرق، يُــتَـــوَقَّــعُ (بل يجب) إجراء تصفية على أساس الهوية البيولوجية، وتنقية على أساس اللون، وإبعاد وإجلاء كل ما من شأنه أن يُسْهِم في تشويه A.D.N الألماني وامتزاجه بدماء الأعراق الوضيعة!
قاد هذا التفكير الجَهَــنَّـمِي إلى اقتراحاتٍ وأفكارٍ لمْ تخطُر حتّى على أبالِسة الجحيم، فتَـوَلَّـدت نظرية سرطانية جديدة سيكون لها امتداد جيو- تاريخي وإثنو- معرفي انتقل من أوربا إلى الشرق الأوسط، وبالضبط داخل أروِقة الماشادا الإسرائيلي في تل أبيب. 


تُسمّى تلك النظرية في الأدبيات الصهيونية _ ومِـن قبلها النازية _ بـــــنظرية (المجال الحــيوي) القائمة على وِحدة عُضوية وموضوعية مفادها: واجِبُ تفريغ شعوب بأكــمَلِها من أراضيها.. فكيف تشتغل هته النظرية ؟

1)   لا بُدّ من إجراء تحاليل على درجة عالية من الدّقة للتمييز بين أنواع الفصائل الدموية، وإعادة تصنيف الأعراق على أساس نوع الفصيلة؛

2)   يُعلَن عن استحالة القبول بالدخول إلى أراضي بها سُكان مِن أصل عـرق غير سامي، وضيع وغير نافع؛

3)   يستتبع ذلك تدخُّل عسكري يُجلِي عنوةً أهل الأرض الحقيقيين، وينقلهم إلى أماكن لا يعلمها إلا الخبراء العسكريون، ثم يقوم الجيش المنتصر على الهوية والجغرافية المُفْرَغة من قاطِنيها بإحلال وتوطين شعب بلا أرض، مُرْتــزِق، ومنبوذ في أكثر من بقعة في هذا المعمور؛

4)   تُـــحوَّلُ الأكوام البشرية المُهَجَّرة من أرضها إلى أماكن لا يتصوَّر حتى الجَانّ أن يكون يوماً ما من زُوّارِهـا، فتبدأ ماكينةُ العُنصرية الصهيونية في توظيفهم داخل مجموعات مُصنَّفَة " ألِــفْ بَائِـيًا "، وتُسخِّرهم عبيداً في معامل إنتاج الأسلِحة التي لا تنتهي؛

5)   الشَّرائح العَـريضة من الشّعب الفِلسطِينـي المَجيد والّتي تَـتَـمنّعُ عن الإجلاء مِن أراضيها تكون هدفاً مباشرِاً لقُرعة " نظرة المجال الحيوي "، إذ سُرعان ما يتمُّ التخلُّص من بعضهم في مصانع رهيبة للموت الجماعي، أو يكون نصيب البقية الإجلاء والطّرد خارج جغرافية وتراب الوطن؛

 تحت إطار هته المُحدِّدات النظرية؛ يمكن أن نفهم سياسات التطهير والتهجير للإبقاء على المجال الحيوي الإسرائيلي نظيفاً وقادراً على استيعاب الجماعات الوظيفية من يهود السفارديم والأشكيناز وغيرهم، الذين يُحوَّلـون إلى كيانات وظيفية مهمّتها الاستيطان والتوسُّع وخِدمة الطموح الآثــم لدولة بني صهيون. 

 

ويستمــرُّ حقُّ العودةٌ ساطعاً كالشّمس، يشرق في الـــرّوح وفي النّفس..

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة