الأحزاب السياسية و البكتيريا

الأحزاب السياسية و البكتيريا

أمل مسعود

 

لو خلق الله سبحانه و تعالى لنا عيونا ترى كالمجهر، فمن المؤكد أنه سيصيبنا الرعب من هول ما سنراه من البكتيريا و الميكروبات التي تتجول أمامنا.

فبينما نحن نتنفس بعمق، و نستنشق هوائنا  و نتذوق طعامنا ، و نمارس أنشطتنا  المعتادة بكل أريحية و استرخاء يوجد بالمقابل عالم مواز غير مرئي لنا ،  عالم مبني على التدافع  و الحروب و التعايش. عالم البكتيريا  المبني أساسا على مبدأ الصراع و التنافس  بين البكتيريا النافعة و البكتيريا الضارة.

فتخيلوا معي لو كنا نرى بالعين المجردة الملايين من الجراثيم و هي تتصارع أمامنا، هل كنا سنشعر بنعمة الصحة و العافية اللتين ننعم بهما؟ هل كنا سنفكر فيما نملكه من نعمة الحواس و سلامة الأبدان؟ أم كنا سنركز على هذه الكائنات البليونية التي تتصارع باستمرار فيما بينها؟ 

ففي اللحظة التي تقرأ فيها هذه السطور،تأكد أنه توجد في أحشائك على الأقل حوالي   400 نوع من  البكتيريا النافعة تتصارع مع حوالي 100 نوع من  البكتيريا الضارة، ناهيك على البكتيريا الخارجية التي تعمل جاهدة لاختراق جسمك و إضعاف  جهاز مناعتك. و كما أوضح  الباحثون من جامعة اوكسفورد، فإن "داخل أمعائنا يشبه ساحة معركة تسعى فيها جميع الميكروبات للبقاء على قيد الحياة وتحارب من أجل سيادتها على منطقتها".  

البكتيريا عالم غير مرئي و مذهل، إذ يعيش في جسد الإنسان الواحد عدد مهول من أنواع  البكتيريا ، و هي تعيش متطفلة على الكائنات الحية الأخرى، و لكنها تساعد على إعادة التوازن البيولوجى داخل أمعاء الإنسان و تعمل على تقوية المناعة و تساهم في تشكيل الدماغ.

ألا ترى معي، عزيزي القارئ، أن هذه المعلومات حول عالم البكتيريا تأخذنا مباشرة إلى عالم السياسية و الأحزاب؟ ألا ترى معي أن عالم السياسة يشبه كثيرا عالم البكتيريا؟

فعامة الناس لا يمكنهم أن يستشعروا طبيعة الصراع السياسي الغير مرئي بين الأحزاب من جهة و بين الأحزاب و السلطة من جهة أخرى، و لا يمكنهم أن يدركوا هول الحروب و المكائد اليومية التي تحاك في كل لحظة، و لا حجم الخسائر و لا طبيعة التنازلات لضمان الحد الأدنى من التعايش من أجل البقاء.

الأحزاب كالبكتيريا تعيش متطفلة على باقي مكونات المجتمع، فهي تعيش في الغالب على الريع السياسي و على امتيازات السلطة. و لكنها كالبكتيريا ضرورية لإحداث التوازن في المجتمع و للدفاع على سيادة الدولة و على هوية المجتمع من أي محاولة اختراق خارجي، كما أنها تقوم بتجديد خلايا المجتمع عبر صناعة الأحداث و خلق الحوار لإحداث الحركية و الديناميكية اللازمتين لإنعاش جسد الدولة و المجتمع على حد سواء  و تقوية مناعتهما.

و إن من يدمن في حياته على متابعة الصراع السياسي و تتبع مواضيع حقوق الإنسان و انتهاك الحريات كمن يفجع بصراع البكتيريا  داخل أمعائه متجاهلا صحة و سلامة بدنه . فالأكيد أن رؤية الوضعية السياسية عبر المجهر سوف لن يرضي و لن يفرح أحدا لأنها مليئة بسلسلة من المعانات و الصراعات و دموع الضحايا الأبرياء. و الأكيد أيضا أن التركيز عليها سوف يرعبنا و يحبطنا و  سيجعلنا أيضا نتناسى مختلف النعم و المكتسبات التي حققناها عبر سنين عديدة من الكفاح و النضال من وحدة ترابية و استقرار و أمن و تضامن اجتماعي و تنافسية متقدمة مع دول الجوار و تطور القدرة الشرائية لدى عموم المواطنين و احترام الحريات الفردية و وو

 

و يبقى أنه و إذا كانت البكتيريا و رغم فوائدها العديدة فإنها تحطم الخلايا السليمة في جسم الإنسان و ذلك متى تغلبت البكتيريا الضارة منها على النافعة، فإن الأحزاب  بدورها يمكنها أن تحطم الخلايا السليمة في جسم المجتمع و الدولة و ذلك متى نخرها الفساد و لم تعد قادرة على إنتاج مناضلين وطنيين و قامت بتغليب المصالح الشخصية الضيقة على مصلحة الدولة و الوطن و المجتمع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة