سؤال الجدوى والضرورة
سعيد المودني
ألفنا في الآونة الأخيرة أن تثار في الساحة الوطنية -من حين لآخر- العديد من القضايا حيث تذكي لهيب نقاشات عدة وردود أفعال تأخذ من الحدة نصيبا وافرا في العديد من الأحيان.. وهذا شيء طبيعي ما دام الناس قد جبلوا على الاختلاف، وما دام أيضا في المواضيع المثارة قسط من الفائدة في تمحيصها قصد اتخاذ موقف منها عن بينة وإقناع واقتناع، فيكون المبرر للطرح هو ضرورة الاصطفاف في خندق معين تجاه مسألة حساسة لا يمكن تجاهلها تهم المواطنين، وهذا يكون أكبر جدوى ومبرر للخوض والمناولة، حتى وإن ترتبت عنها(إثارة تلك المواضيع) بلبلة أو انقسام في الساحة والشارع، وأخذ منا الإعياء -بسبب تلك الإثارة- مأخذه حد الاستنزاف.. فكما سبق: الضرورة والجدوى تبرران الجهد.
غير أن التأمل في المواضيع المتحدث عنها يجردها من أية شرعية إطلاقا، لا من حيث التاريخ ولا من حيث الجغرافيا.. فطرح مواضيع بول البعير والاستمناء والجزر ومضاجعة الميت وتهذيب الرسائل النبوية وخلع العصمة عن الأنبياء... في ظل هذه الظروف المفترض فيها التأسيس لعقد اجتماعي وسياسي مجتمعي يأخذ بأسباب المراقبة الشعبية للشأن العام، وسن وسيادة القوانين الكفيلة بحفظ المال العام والقطع مع الريع والتسيب والاستغلال والشطط والفساد والاستبداد... وذلك عبر آليات مجتمعية مؤسساتية ممؤسسة.. أقول طرح هذه المواضيع في هذه الظروف أدنى ما يمكن أن يقال عنه أنه سوء تقدير فظيع، إن لم يكن سذاجة أو استخفاف أو تواطؤ أو متاجرة أو عمالة... أو كل ذلك، إذ لا يمكن حتى حشره في مجال الترف -أو بالأحرى الثراء الفاحش- الفكري، الذي لا مكاننا ولا زماننا هذين يمكنهما أن يستوعباه أو يقبلاه. وبالتالي يبقى السؤال والتساؤل مشروعين: لماذا أثير هذا الموضع أو ذاك؟ ومن وراء كل هذا؟ ما دام لا ضرورة ولا فائدة وراء الخوض فيه بتاتا، على الأقل في هذه الظروف بالذات!!
نعم يمكن لشخص -بصفته مستفتى أو مفكرا- أن يتعرض لموقف شبيه، ولكن يحصَر الأمر -ما دام ذا حساسية متوقعة- في إطاره الأضيق ما أمكن، حتى لا يتحول إلى تشويش وإلهاء من طرف من يفترض فيه توجيه العامة نحو العلا، وتجميع الطاقات، واقتصاد الجهد من أجل ما يستحقه.
نعم -مرة أخرى- يمكن أن تناقش جزئيات وتفصيلات، ولكن يكون ذلك حينما يحين دورها، ويكون ذلك أيضا في إطار التحديد العام للهوية، بحيث إذا قُبل المبدأ لا مجال للاختيار بين مكوناته إلا ما كان من قبيل التأصيل والتدقيق أو الاختيار بين معتمَد متعدد، أما إذا رفض هذا المبدأ، فيكون من منتهى العبث البحث في تلك المكونات الجزئية التفصيلية.
إنه فعلا سؤال الجدوى والضرورة، ولكن، وأساسا.. سؤال النخبة!
