مقال لم ينشر
الحسين أربيب
أين انتهت بك الرقابة ايها المقال الذي احتضنته طويلا بحنان الكاتب وصدق الإنسان الذي ظل على طبيعته ولم تغريه تفاهات الحياة المادية ومغرياتها ؟ هل ما زلت تحمل الرسائل التي اريد أن توصلها للمرسل اليه ؟ هل خضعت للضغط والتهديد للتنازل عن الكلمات المفتاح ؟ هل تمالكت نفسك ولم تضف من عندك الأحرف التي يخشى اصحاب المصالح النطق بها ؟ هل تركت لهم فرصة للمساومة ؟
مصيرك ايها المقال مهما يكن فهو معروف كمصيرنا هذا الذي نحياه بين جدران مهترئة تفوح منها رائحة الرطوبة كتلك التي عهدتها لما كنت مع إخوتك في دهاليز الزمن السياسي المظلم، لا فرق إذن بين زمن وآخر توحدت عليك الأزمان وبنت جدرانا من الإسمنت العازل لكل حرارة إنسان، لأنك لا تحرك لسانك قبل النطق بمكنون وجدانك ، تقول رأيك في البنية قبل الشخص لأنك تؤمن أن الأشخاص زائلون وأن البنيات والمؤسسات هي التي يجب أن تنتقد نقدا من أجل التطوير الى أحسن ، لا يهمك من جلس على كرسي الحكم قبل أن تنظر الى الحكم ذاته وهل هو من قبيل النظم التي يوما ستلتحق بنادي بلدان الديموقراطية أم من تلك الأنظمة التي قطعت العهد على أن تظل كذلك تتسلى بكلام الليل الذي يمحوه النهار. مصيرك معلوم زمن انحسار مساحات زراعة الورد وبناء مكانه اعمدة واحبال لعرض الرؤوس التي تسخن" والعقول التي تريد أن "تفهم" لن نرثيك أيها المقال لأنك لم تمت موتة الفراش بل أنت كائن موجود في ذاكرة الوطن وتحيا بدم المواطن لأنك تكتب عنهم ومنهم تستمد وجودك ومنهم تستمد شرعيتك ، فبدونهم لا شيء أنت سوى كلمات متناثرة لا معنى لها ولكن بمجرد ما تتناغم مع الحراك . من أجل الحرية فأنت من الذين يتحركون نحو الشمس ونحو الانعتاق "
ايها المقال ذهبت بك الى افق الوطن وأبحرت بك الى اعماق البحار لأرصد ما بقي من قوة الصمود ومن احتياطي الفرح وكم من مخزون التحمل للقادم من زمن الضغط والشد على التعبير والتحليق في سماء الحرية ، لن تكون المقال الذي لن يقرأ ، ولا المقال الذي يرمى على الرف بعد قراءة عابرة غير مركزة ، بل ستظل أبدا المقال الذي يحرك الجمود ويطرح السؤال ليجيب بسؤال اكبر واشمل ، لأنك لست مجرد مقال في جريدة ولا أفكارا عابرة لزمن محدد ، إن الكلمة التي لا حدود لها هي روحك التي تتغذى بها والحرف الصامد هو مركبتك في بحر الحياة ،أنت مقال لكل زمن .فهل يمكن للرقيب محوك من الوجود؟ لن تستطيع عينه رؤية أفقك ولا له قدرة الإبحار في عالمك، لأن واضعي الخطوط الحمراء أصيبوا بعمى الألوان من فرط التحديق في مرآة لا تعكس الواقع.
ايها المقال الذي كان جزءا مني وما زال لن أتبرأ منك مهما جار عليك الرقيب ولن اتخلى عنك مهما كان مصيرك سواء في سلة المهملات عند محرر حاول ممارسة الرقابة الذاتية بقصد أو غير قصد بتقديم مبررات منهجية ومهنية أو غيرها ، ولكنها في النهاية تلك هي قدرته وهل يتجاوزها ؟ ولن ألومك على ذلك لأن الوطنية جبهات ولكل واحد جبهته وطريقته في التعبير عنها . أيها المقال انتهت بك الظروف المصنوعة بكل تفاصيلها بيد وفكر لا يريد مشاركته في القرار ولا حتى الوقوف في طريقه إن لم يكن للتهليل. أعلم أنك هناك في ركن من ملفات الجرائد الورقية والإليكترونية ، تزعج هيئة التحرير تقلق راحتهم تجعلهم يطرحون الأسئلة تلو الأسئلة ، ولا إجابة لأن قوة الرقيب تغلغلت في كل العاملين في مجال الصحافة أو على الأقل في بعضهم ، حتى لا نظلم الذين هم في حل من التقيد بالقيود ولا يسايرون التيار الجارف لمن ليس لديهم جذور. . ليس لدي شك بأنك سوف تكون في ساحة المعركة خير مدافع عن قضايا المستضعفين والناطق باسم كل المكلومين، لكن كيف لك أن تكون كذلك ولا أعرف مصيرك لحد الآن ، هل أنت في الوجود أم في طيات ملف أحمر ،ولكن ستكون بدون اي تردد تأخذ مكانك بين الكلمات التي لا تلين ولا تتراجع عن خطها رغم كل الخطوط الحمراء التي تحاول أن تقطع الطريق عن سرب كلمات الحرية الذي يملآ سماء الوطن بالرغم من المتضايقين منها لأنها تكشفهم وتضعهم في العراء وهم ينهشون الأبرياء بعلل مختلفة وواهية في كل الأحيان ، هم يحكمون هم القضاة والخصوم في آن واحد لا أحد ينازعهم لا أحد يستطيع ، لكن الكلمة كالجمر يتساقط على رطوبة بطونهم والكلمة تخترق اذانهم وهم في عمق نومهم بين جدران مانعة. فأنت وحدك ايها المقال الذي لم ينشر عليك المعول وعلى أمثالك لتنير الطريق ولتضيف مسلكا للخروج من النفق المسدود الذي وضعوها لنا مسكنا وقدرا محتوما لنا نحن الضعفاء ، حتى نرحل اليهم ونستجدي أمام البوابات الكبيرة بقايا الطعام وبقايا نظرات الاعتراف بوضعيات متدنية وترتيب هامشي في سلم مجتمع فيه بنية هرمية كالرمح في اتجاه السماء وتبقى القاعدة معركة بينية لا تقلق الفوق ولا تشوش عليهم لأن الفوارق كبيرة وتتسع يوما بعد يوم بممارسات سياسية تضع مسافات من البعد عبر قوانين وقرارات تنسج للردع والحد من كل كلمة تنطق بالحقيقة ولفها بالكلام الباطل والدعاية الرخيصة . . لم تنشر ايها المقال فهل معنى انك لم تولد بعد ؟ هل النشر هو شهادة ميلادك ؟ وهل أنت غير موجود في حالة ما لم يقدم محرر الجريدة على اتخاذ قرار النشر ؟ لا انت في ذاكرة التاريخ ، وهل يستطيع احد محو تلك الذاكرة ؟ والتاريخ ألا يمكنه أن يكون حاضرا عندما التغيير يصبح ضرورة حتمية في اتجاه كسر القيود وتوسيع الآفاق؟.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
المقالات الأكثر مشاهدة
18871 مشاهدة
2
15148 مشاهدة
4
9155 مشاهدة
7
8445 مشاهدة
8
8302 مشاهدة
9
