الطريق إلى الله أم الطريق إلى داعش !؟

الطريق إلى الله  أم الطريق إلى داعش !؟

عبدالفتاح المنطري

 

 

بثت القناة الأولى للتلفزة المغربية ليلة الجمعة ١١يوليوز٢٠١٤ 

برنامجا حول التصوف تحت عنوان : " الطريق إلى الله " ، أنجزه الزوجان الصحفيان خديجة رشوق وعمر الرامي ، واستضيف فيه ثلة من العلماء الأجلاء من الباحثين في الموضوع، وعلى رأسهم الدكتور منيرالقادري بودشيش حفيد سيدي حمزة بن العباس شيخ الطريقة القادرية البودشيشية. 

ومهما قيل وقد يقال عن التوجه السياسي لمثل هذه البرامج ,وهو قول مردود على أصحابه على كل حال ،فأن الحقيقة التي لا مراء فيها أن الدولة المغربية لم تغير توجهها الديني والاستراتيجي والمذهبي منذ مئات السنين ولن تغيره فيما هو ثابت وراسخ في أعماق التاريخ،فهي أشعرية العقيدة ، مالكية المذهب وسنية التصوف،  

فلم يعاب عليها أذن أن تأتي مثل هذه البرامج موافقة لتوجه الدولة ؟ 

لقد تحدث الضيوف الكرام من المغرب وخارجه عن أهمية التصوف في حياة الفرد والمجتمع خصوصا في  زمننا الحاضر، وما يشهده من فراغ روحي واضطراب في منظومة القيم السوسيوتربوية والثقافية والاقتصادية والسياسية ، ونزوع فئات من جنس الشباب الى  محاولة التغيير في المنظومة من خلال مسلك العنف المسلح وازهاق الأرواح وقلب أنظمة الحكم. 

ويبقى أقرب مثال هو الحروب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط بين فصائل الشباب من كل ملة ودين ،وآخرها صيحة ما أطلق عليه مؤخرا دولة الخلافة الأسلامية.فأي خلافة هذه التي تقوم وتقعد على الحديد والنار، ويعلم الله أين ستسير بأهلها لو مكن لها..أي مرجعية هذه التي تلهب بها حماس شباب فقد بوصلة السير والفهم لمعنى الحياة والموت؟



We are all ISIS , Islamic State in  Iraq and Syria
 
هكذا كتبوا على أقمصة تجارية سوداء اللون قبل أيام لإشهار ما يسمى بدولة الإسلام في العراق والشام  - داعش والسوداء - في أشارة الى رايتها السوداء - على وزن داحس والغبراء ، تلك الحرب العصبية التي دامت أربعين سنة..هذا أقل ما يمكن أن نجنيه من وراء داعش وغير داعش سوى الدمار والخراب وتيتيم الصغار واكثار الثكالى وطول أمد الفتن في ظل وسائل حربية أكثر فتكا وتنكيلا من حرب البسوس تلك. 
ان الفهم النصي للاسلام  والتأويل السطحي لأسباب النزول هما من العوامل التي أساءت الى صورة الدين الاسلامي في نفوس الشباب وعمقت جهلهم بروح وجوهر التدين المبني أساسا على مكارم الأخلاق ومنها الرفق في الدعوة والحكمة في الموعظة الحسنة مصداقا  لوصايا الرسول صلى الله عليه سلم  

خالق الناس بخلق حسن  

    ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء 

ويتميز التصوف السني الذي تتمسك به بلادنا بكل القيم الايجابية المتمثلة في الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس ..فمن هنا يبدأ التغيير، تغيير النفس من الأمارة ، الى اللوامة ،الى المطمئنة  وهي أعلى مراتب الاحسان 

قبل أن نأمر الآخرين بتغيير أنفسهم ونحمل عليهم السيف ان امتنعوا. 

ولا يعني هذا أبدا أنه يتم تعطيل الجهاد إذا ما انشغلنا بتربية أنفسنا بل جهاد النفس ودعوة الغير بالحكمة والموعظة الحسنة والتزام قبل الإلزام ، يأتي بما لا يأتي به السيف ، و لطالما حمل رجالات الصوفية  راية الجهاد في أدنى الأرض وأقصاها ، لكن الدعوة بالخلق الحسن كانت الأبلغ أثرا ، ولننظر إلى غير العرب الذين أسلموا في كل الأرض ولا أدل ذلك من اعتناق أكبر دولة إسلامية وهي أندونسيا للإسلام دون أن تصلها جيوش المسلمين بل أخلاق تجارهم آنذاك هي قطب الانجذاب إليهم 

  ثم ان الاسراف في الطاعات والعبادات قد تكون أحيانا حجابا لمن تعتز بها نفسه ، كما أن الاسراف في المعاصي قد تجعل العبد أقرب الى ربه بعد التوبة ، والاستغفار بعد الذنب مما يحبه الله ورسوله ،   

 كما جاء في البردة للإمام البوصيري 

واخش الدسائس من جوعٍ ومن شبع    فرب مخمصةٍ شر من التخـــــــــــم 

واستفرغ الدمع من عين قد امتـــلأت     من المحارم والزم حمية النـــــــدم  

 وهنا يأتي دور الشيخ المربي الذي يدرك بفراسته مرحلة وحال كل مريد، ولا يدعه فريسة لنفسه ولشيطان هواه الذي قد يقلب له المفاهيم ، فيظهر له الحق باطلا والباطل حقا ، ولن يخرج من المنزلق الا اذا عثر على الشيخ الدال على الله.
ولاسترداد شبابنا الذين غرر بهم ولكبح جماح من يتوق إلى فعل ما فعلوا مع داعش وغيرها من فصائل الموت ، لابد أن نعيد النظر في موازيننا العامة في كل شؤون الحياة ، من تربية وتعليم وعدل وكرامة واقتصاد وثقافة وإعلام وتحسين سبل العيش والرقي بمستوى الشباب والطفولة والأسرة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة