الجيش والسياسة في العالم العربي
محسن زردان
الجيوش مقترنة بالحروب وحمل السلاح، إنها في حكم الواقع من أقوى مؤسسات الدولة إحكاما وتنظيما، هي الذراع الحامية للحدود والمدافعة عن المصالح العليا للبلاد، هي القوة الغازية للبحار واليابسة والأجواء، تخصص لها ميزانيات ضخمة لتجهيزها وتزويدها بالسلاح، يستقوي بها الحكام تارة على المنافس الخارجي و تارة أخرى على شعوبهم.
ثورات الربيع العربي لم تكتفي بخروج الناس المدنيين من الشباب والنساء والشيوخ للتظاهر، بل أخرجت معها الجيوش لتبصم علىالحضوروالتواجد سواء الظاهر أو الخفي على الساحة السياسية وكأنهاتبدي رغبتها في بعث رسالة أن بطالتها المقنعة لن تطول داخل الثكنات العسكرية المظلمة.
إذا كانت الجيوش كما هو متعارف عليه حسب القوانين والتشريعات الوطنية و الدولية، هي مؤسسة منظمة يفوض لها حمل السلاح قصد الدفاع عن تراب الوطن من أخطار العدو الخارجي، كما يمنح لها هامش استثنائي للتدخل للمساعدة على رفع أعباء الكوارث الطبيعية، فإن مجريات الأحداث السابقة أو الأخيرة أو اللاحقة تطرح أكثر من علامات استفهام حول تدخله في الصراعات الداخلية لبلده إما بإزاحة الأنظمة السياسية المنتخبة وفق الآلية الديمقراطية بالقوة أو دفعها للتنازل على السلطة طواعية تحت الضغط عن طريق التسوية التوافقية.
هل الجيوش خاضعة للشعب وبالتالي للقرار السياسي أم العكس؟ حسب المنطق الديمقراطي فالجيوش لا يمكنها إعلان الحرب إلا بعد موافقة البرلمان الذي يمثل إرادة الشعب، وبالتالي فهي مؤسسة قائمة على الحياد مادام لا يسمح لها القانون بالتصويت والانتخاب.
في هذه الحالة فتدخلها المباشر في مجريات الأحداث الواقعة في بلدان الربيع العربي ضدا على إرادة الشعب ومكوناته السياسية يجعل الأمر في رأي البعض انقلابا والبعض الآخر تدخلا مشروعا لمحاربة الفوضى، و إعادة الأمن والأمان نظرا لأن الساحة السياسية خالية من البديل القادر على فرض النظام.
إذا تأملنا بعض الشيء في مجريات الحياة السياسية العربية، فلن نبذل مجهودا في تحصيل فكرة أساسية تتمثل في أن المؤسسة العسكرية هي المشتل الأول لتفريخ رجال السياسة الذين يمارسون الحكم ويتغلغلون في شتى المجالات إلى درجة أن دولة مثل مصر تلقب بدولة الجنرالات، هؤلاء الجنرالات يهيمنون على مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية كمدراء وكرؤساء لشركات ومؤسسات اقتصادية ومالية عمومية أو خاصةلاسيما بعد فترة تقاعدهم، وهذا الشيء ليس غريبا لأن بنية حكم الدولة في العالم العربي هي بنية عسكرية، والحال أن غالبية رجال وموظفي وزارة الداخلية المعروفة بكونها وزارة حساسة تتحكم في دواليب الدولة، نجدهم خاضعين لتكوين عسكري أو شبه عسكري يتطلب الالتزام والانضباط التام للتراتبية.
إذا جاز لنا القول من خلال ثقل تدخل الجيش في الحياة السياسية، فإنه يمثل بذلك حزبا سياسيا قائما بذاته ولا يشق له غبار، بل يحتاج فقط إلى رفع القيد القانوني الذي يمنعه من التصويت والانتخاب والخوض في السياسة، وهو في حقيقة الأمر يمارس السياسة الفعلية في الخفاء ويتم إعطاء الانطباع بأنه يمارس الحياد ويفسح المجال للمجتمع المدني لممارسة السلطة من أجل تجميل صورة البلد في الخارج كنظام ديمقراطي يحترم القانون و استقلالية المؤسسات.
تمة قناعة تامة بكون مفهوم المجتمع المدني هو حديث التناول في مجتمعاتنا العربية التي في مجملها كان يغلب عليها الطابع الفلاحي، الزراعي و البدوي، وعليه فالمؤسسات التي تفترض نوع من التنظيم والتأطير تظل ضعيفة وفي غالبيتها غير مستقلة، مما يجعل القوى الحية للمجتمع المدني التي يمكن تحديد شريحتها أكثر دقة بالطبقة المتوسطة مهمشة ومترهلة ومبتعدة عن تدبير الشأن العام مما يفسح المجال للمؤسسة العسكرية لتفرض نفسها كمؤسسة الأكثر تنظيما وقوة وجذبا للطاقات والكفاءات، لكن للأسف في عالمنا العربي تظل محدودة التوظيف الذي يقتصر على الجانب الأمني الضبطي في حين أن جيوش الدول المتقدمة تشتغل في ظل استراتيجيات للبحث والابتكار والتطوير العلمي فيصنع الأسلحة وبرامج الفضاء حتى أن اختراعات مهمة خرجت للوجود من رحم مختبرات الثكنات العسكرية الغربية كان أبرزها وأحدثها شبكة الأنترنت في الولايات المتحدة الأمريكية.
