ملائـــكةٌ وشيـــاطيّن
الحافة حسن
بوركون تنعي شهدائها في موكب رهيب حتى ليظن الذي لا يسكن بين ضلوع وطننا البئيس، أن قذيفة إسرائيلية ظلت الطريق وهوت على رؤوس ساكني العمارات الثلاث، وهم يغالبون نعاسهم من أجل النهوض لتناول وجبة السحور.
قتلى وجرحى و دموع، ووقاية مدنية بوسائل بدائية تنّم على قيمة الإنسان عند من يجلسون على كرسي الحكم في هذه البلاد، معاول و فؤوس و القليل من الدعاء هو كل ما تسلح به رجل الوقاية المدنية كي ينتشل من غطت أكوام التراب جثمانه، ومن ظل متشبثا ببصيص أمل في النجاة قتله الإنتظار في أن تنتشله الأيادي قبل أن يخنقه زحف الغبار لأنفه.
كم يساوي المواطن في هذه الدولة؟ وهل يتم توفير لوازم الإنقاذ و التدخل الفوري حين تلم به كارثة؟...
سيكون الرد هو: لا....
الإجابة لا تحتاج لكثير من التفكير، فكوارث و فواجع كثيرة عرّت عورة ثمننا عند الماسكون بزمام السلطة، فنحن حسب تعبير المثل الدارج "مكنسواو بصلة" عند الذين إنتخبناهم وحتى أولائك الذين فرضهم علينا التاريخ كي نقدم لهم فروض الولاء والطاعة.
مجرد كفن كي يغطي عوراتهم هو ما جادت به الدولة على الأموات و علاج مجاني للذين خانهم الموت و ذهب بعيدا. علاج طلبوه وهم أسوياء فسدت الأبواب في وجوههم، وعندما توسخت سحناتهم بالتراب حملوهم كي يعالجوا كدماتهم و نسوا أن ما يعانيه المواطن في هذه الدولة هو إحساسه بأنه شيطان ملعون في عرف الحاكميّن.
ملائكة يجلسون بجانب العرش و يتوسدون مقاعد وثيرة، تتوفر لهم شروط حياة رغدة و لأبنائهم من بعدهم. لا ينتظرهم حساب ولن تسلط عليهم سياط الشفقة من مسؤول أو حاكم، فهم في عرشه يسبحون و من ما تجود به يده المبسوطة يغرفون.
أما الشياطين فهم إما مدفونون أحياء تحت التراب أو ينتظرون نظرة عطف من مسؤول أو علبة "ياغورت" من يد برلمانية، دون نسيان شهر الصيام وتوزيع "قفة رمضان". يحلمون "بقالب" السكر وغضوا الطرف عن "القالب" الحقيقي.
و لن يكتمل مشهد التراجيديا إلا إذا عوى كلب من كلابهم، وهذه المرة نبح شيخهم "النهاري". فحمّل الموتى جزاء موتهم لأنهم أعرضوا عن الذهاب لصلاة الفجر و خسف بهم الله عماراتهم كي يكونوا عبرة لمن يفوّت الصلاة.
كنا نعلم أنه و أمثله يتاجرون بالدين ولم ندري أنهم أضافوا لتجارتهم "تجارة الموت"، فالموت تستثني من لبس جلبابه و تأبط "بلغته" و هرول للمسجد. و إذا كان "السي نهاري" قد نسي فالتاريخ لا ينسى و يسجل أحداثه. فبمدينة فاس خَرّتْ مئذنة مسجد و معها جزء من سقف مسجد "البرادعين" و خلفت 41 قتيل و "عرام" من الجرحى منهم من لازالت إعاقته شاهدة على ذلك ليومنا هذا.
فهل هؤلاء كان جرمهم هو ذهابهم للصلاة، فلو كانوا مجتمعين في "ماخور" لمر طيف الموت يبارك تبادلهم لقناني الجُعّة.
لو كان ما وقع بمدينة الدار البيضاء قد حدث بدولة تحترم فيها الأنظمة شعوبها لقامة القيامة. ستنكس الأعلام وسيذاع خطاب رسمي يعتذر فيه زعيم البلاد للميتين و يطلب المغفرة من الأحياء، وسَيُقَالْ الوزير المكلف بالتعمير ويُحال على التحقيق، ولغُيِّرَ مجلس المدينة بأسره وحُوكِم بتهمة الإستهانة بأرواح الناس.
و لكن بما أنه وقع بالمغرب فقد قبضوا على الشيطان (عامل البناء البسيط مولا وليدات) و تركوا الملائكة تنعم برؤية الصور و تذرف الدموع... دموع التماسيح طبعاً.
