خطأ المنطق بحضرة الملوك وسبب تسمية شقائق النعمان
يوسف الحزيمري
يحفل تراثنا الأدبي شعرا ونثرا بعصوره المختلفة بأنواع وأجناس متنوعة الأغراض صورت حياة الناس الواقعية وتعاملاتهم فيما بينهم، فتجد غرض المدح لقضاء الحاجات والمآرب، وتجد غرض الذم والهجاء وسيلة للدفاع أو الانتقام والتعصب لحمية الجاهلية، كما تجد الوصف لحياة الناس وتفاعلاتهم مع الطبيعة بشتى تلاوينها، وهنا نعرض لغرض نثري يسمى بالاعتذاريات، ويذهب محقق كتاب العفو والاعتذار إلى أن النقاد ومؤرخو الأدب تواضعوا "على أن الاعتذار غرض قديم من أغراض الشعر، وهم يؤكدون أن رائد الاعتذاريات في العصر الجاهلي هو النابغة الذبياني الذي قال فيه ابن سلام الجمحي: "أشعر الناس النابغة إذا رهب".
على أننا إذا تصفحنا كتب التراث رأينا في نثرنا الفني من قصص الاعتذار، وما فيها من مواقف رائعة وتجارب حيّة وأقوال بليغة ما يحمل المنصف على الإقرار بأن أدب الاعتذار في النثر لا يقل عن مثيله في الشعر، بل هو أوفر نتاجاً وأكثر تنوعاً وطرافة"[1].
وفيما يلي نقدم نموذجا طريفا مما حواه "كتاب العفو والاعتذار" للرقام البصري صاحب ابن دريد، في باب خطأ المنطق بحضرة الملوك ومن عفي عنه:
قال محمد بن محمد بن عمران البصري: بسنده عن عبيدٍ راوية الأعشى قال: كان ظاهر الحيرة يسمى خد العذراء في الجاهلية, وكان ينبت الشيح والقيصوم والأقحوان وأنواع نبات البر الطيبة. فخرج النعمان بن المنذر إليه يوماً يتصيد فرأى قطعاً من الرمل تسمىالشقائق, وقد أنبت ضرباً من النبت يسمى الشقر، وهو الذي يسمى اليوم شقائق النعمان. فقال النعمان واستحسن النبت: انظروا فمن نزع من هذه الشقائق نورةً واحدة فانزعوا كتفيه. فتحاماها الناس، فسميت شقائق النعمان.
وانفرد النعمان من أصحابه، فهبط وادياً فإذا شيخٌ حوله غنيماتٌ، وهو جالس يخصف نعلاً، فوقف عليه النعمان فقال: يا شيخ! ما تصنع هاهنا. فقال: خرج النعمان يتصيد فتهارب الناس منه! فهبطت هذه الوهدة، فنتجت الشاء وسلأت السمن، وقعدت أخصف نعلي هذه. فقال النعمان: إن رأيت النعمان تعرفه؟ قال: أنا أعرف الناس به، أليس ابن سلمى، والله لربما وضعت يدي على كعثبها[2] كأنه ضبٌ جاثمٌ، قال: فاستطار النعمان غضباً، وحسر عن رأسه، فبدت خرزات الملك، وتلاحق به أصحابه فحيوه بتحية الملك، فأسقط في يد الشيخ. وقال له النعمان: أعد مقالتك يا شيخ! فقال: أيها الملك إنك والله ما رأيت شيخاً أحمق، ولا أوضع، ولا ألأم، ولا أعض.... أمه من شيخٍ بين يديك. فضحك النعمان وخلى عنه، فقال الشيخ:
تعفو الملوك عن العظيم... من الذنوب لفضلها
ولقد تعاقب في اليسير... وليس ذاك لجهلها
إلا ليعرف فضلها ... وتخاف شدة نكلها[3]
الهوامش:
[1] من مقال: أدب الاعتذار في النثر الفني، د.عبدالقدوس أبو صالح، مجلة الأدب الإسلامي الإلكترونية، عدد 37. بتاريخ 06/07/2014م.
[2] وامرأة كعثب وكثعب ضخمة الركب يعني الفرج، انظر: المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده، تحقيق عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، 2000م، مكان بيروت، (2/ 421)
[3] مصدر النص: كتاب العفو والاعتذار، لأبي الحسن محمد بن عمران العبدي المعروف بالرقام البصري صاحب ابن دريد، حققه وقدم له الدكتور عبد القدوس أبو صالح، دار البشير الطبعة الثالثة، 1414 هـ - 1993م، (ص:243)
