بعد استحضار "تاريخ سبتة المحتلة" أمام الملك.. كلمة وزير الأوقاف تحرك مخاوف مدريد وتثير "سعار" الإعلام الإسباني
لم يكن استحضار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق لتاريخ سبتة وعلمائها، وفي مقدمتهم القاضي عياض السبتي، خلال الكلمة التي ألقاها أمام أمير المؤمنين الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، تفصيلا تاريخيا عابرا كما قد يبدو للوهلة الأولى. فالإشارة إلى مدينة سبتة، في خطاب رسمي أمام الملك وفي مناسبة دينية ووطنية بالغة الرمزية، سرعان ما التقطتها وسائل إعلام وحسابات إسبانية ووضعتها في سياق سياسي أوسع، وسط حالة من القلق بشأن ما إذا كان ملف الثغرين المحتلين بدأ يستعيد حضوره داخل الأجندة الاستراتيجية للعلاقات بين الرباط ومدريد. ويرى متابعون للشأن المغربي الإسباني أن أهمية هذه الإشارة لا تكمن فقط في مضمونها، وإنما أيضا في توقيتها والسياق الذي وردت فيه.
وتذهب قراءات إسبانية إلى أن استحضار سبتة وعلمائها لم يكن منفصلا عن التطورات المتسارعة التي شهدتها المدينة المحتلة خلال الأيام الأخيرة، خصوصا مع انتقال التعاطي الإسباني مع أزمة الهجرة من التدبير الأمني المعتاد إلى مستوى أكثر ارتباطا بمفهوم الأمن القومي. ويرى محللون أن هذا التزامن منح الموضوع أبعادا إضافية، وأعاد إلى الواجهة سؤالا ظل مؤجلا لسنوات: هل ستبقى سبتة ومليلية مجرد ملفين حساسين تديرهما مدريد بمنطق الأمر الواقع، أم أن التحولات التي تعرفها المنطقة والعلاقات المغربية الإسبانية قد تدفع تدريجيا نحو إعادة فتح النقاش حول مستقبلهما؟ وهو ما يفسر، بحسب متابعين، حجم التوتر الذي طبع بعض التغطيات والتدوينات الإسبانية التي تعاملت مع الإشارة المغربية بدرجة عالية من الحساسية.
غير أن الحديث عن "مسيرة خضراء ثانية" أو الإيحاء بأن المغرب يستعد لتحرك ميداني لاستعادة الثغرين يبقى، وفق باحثين في العلاقات الدولية، استنتاجا متسرعا لا تسنده في الوقت الراهن معطيات عملية واضحة. فالمغرب الذي راكم خلال السنوات الماضية مكاسب مهمة في ملف وحدته الترابية، أثبت أنه يفضل في الملفات السيادية سياسة النفس الطويل، وتوظيف الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية، بدل الانجرار إلى مواجهات مفتوحة قد تخدم خصومه أكثر مما تخدم مصالحه. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة استحضار تاريخ سبتة باعتباره تثبيتا للذاكرة والموقف المغربي، ورسالة هادئة مفادها أن قضية الثغرين لم تسقط من حسابات المملكة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تحرك وشيك على الأرض.
ويعتقد خبراء في العلاقات المغربية الإسبانية أن حساسية التطور الحالي ترتبط أساسا بتغير البيئة التي تحكم علاقة البلدين. فمدريد والرباط باتتا ترتبطان بشبكة واسعة من المصالح في مجالات الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار والطاقة، فضلا عن التعاون المرتبط باستحقاقات كبرى مقبلة، وهو ما يجعل أي توتر حول سبتة ومليلية قابلا للتأثير في ملفات أخرى. لذلك، فإن عودة الثغرين إلى واجهة النقاش لا تعني بالضرورة أن البلدين يتجهان نحو مواجهة أو قطيعة، لكنها قد تعكس بداية مرحلة يصبح فيها الملف السيادي أكثر حضورا داخل المفاوضات والحسابات الاستراتيجية، خصوصا إذا واصل المغرب ترسيخ مقاربته القائمة على التدرج وتراكم عناصر القوة.
وعموما، يرى متابعون أن السؤال الحقيقي الذي تطرحه التطورات الأخيرة ليس ما إذا كانت أزمة الهجرة ستتحول إلى مواجهة حول سبتة، وإنما ما إذا كانت هذه الأزمة قد كشفت عن هشاشة أعمق في الطريقة التي تنظر بها مدريد إلى مستقبل الثغرين. فحين تجتمع الإشارة التاريخية إلى سبتة في خطاب رسمي أمام الملك مع استنفار أمني وسياسي إسباني غير معتاد، يصبح من الصعب التعامل مع الملف باعتباره مجرد أزمة هجرة ظرفية. ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة ستظل محكومة بمنطق الحسابات الدقيقة، فالمغرب لا يحتاج إلى رفع سقف التصعيد كي يبقي قضية الثغرين حاضرة، وإسبانيا تدرك بدورها أن واقع المنطقة يتغير وأن ملفات كانت تبدو محسومة لعقود قد تعود، في ظروف مختلفة، إلى طاولة النقاش. وربما هنا تكمن الرسالة الأهم: المعركة حول سبتة ومليلية، إن دخلت فعلا مرحلة جديدة، قد لا تكون معركة تحركات ميدانية، بل معركة دبلوماسية وسياسية طويلة النفس، عنوانها من ينجح في تغيير موازين الحسابات قبل تغيير الخرائط.

التعليقات
3آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم
الغزوات الصليبية
Abd1
الجميل في طريقة الرد المغربية هو انها تكون دائما موزونة حسب الحاجة وبليغة في المحتوى وتكون كالبريد المضمون وصولها الى من يهمه الامر مؤكد . اما عن المحتوى فهو واضح جدا فان كانت اسبانيا تدافع بقوة عن ارث استعماري يعود إلى فترة الغزوات الصليبية في بلاد المسلمين فلا بأس أن تذكر بالطريقة التي كانت تعامل بها تلك القوات الغازية من المغاربة وسلاطينهم في تلك العصور .
جملة حىكت دولة . انه دهاء ملك
متابع
صمت الملك يدل على حكمته . واذا حرك طرف جلبابه تحركت اسبانيا كلها . فما بالك لو اعطى اوامره بالزحف . فستجد المغاربة . فوق اسطح المنازل في سبتة ومليلية المغربيتين . وستجد الباعة المتجولون في ازقة وحواري هاتين المدينتين . ولن تجد بورقعة واحد . هناك . اسبانيا تعرف شراسة مغاربة اليوم . الذين لن توقفهم خرجات الاسبان الحاقدين الجبناء
وقت الانتقام
Karim
سبتة و مليلية و الصحراء الشرقية ستكون ملفات نبتز بها الآخرين في وقت كانوا هم يبتزوننا في الصحراء الغربية المغربية، رغم ان تلك كلها اراضينا و لابد من استعادتها لكن من الجيد الآن ان ننقل الضغط على الآخرين بدلا من ممارسته علينا، و استعادة هذه الاراضي تبقى مسألة وقت، كانت العقبة الاكبر هي الصحراء الغربية المغربية حيث كنا نواجه العالم كله في مرحلة من المراحل و خرجنا منها منتصرين و بخبرة سنوات يصعب على اي كان ان يجارينا فيها، دعنا نرى الآن اذا كانوا هم يستطيعون الدفاع عن تلك الاراضي كما دافعنا نحن عن الصحراء