لماذا يجب علينا أن نصوت؟

لماذا يجب علينا أن نصوت؟

 

أخبارنا المغربية

محمد كريمي

في الواقع، هذا السؤال طرحته علي والدتي و هي تبلغ  الآن من العمر عتيا. فكرت مليا و وجدته سؤالا محيرا و مقلقا من وجهة نظر علم الاجتماع. فالاجابة عنه لا تقتصر فقط على إعطاء نصائح و انطباعات شخصية تتعلق فقط بتلك اللحظة التي كنا نتحدث فيها معا. ثم إني لم أرد أن أظهر بمظهر الابن المتعلم الذي يفهم كل شيء و أن أي جواب سوف أعطيه إياها، سواء كان إيجابا أو سلبا، فهو مطلق و يتصف بالموضوعية الكافية.

لم أفعل ذلك كله، بل تبنيت السؤال و اعتبرته سؤالي و أن الإجابة ليست حكرا على أي شخص أو جماعة مهما بلغوا من العلم و مهما كانت التعليلات التي يقدموها. فالسؤال بسيط جدا "هل علي أن أتوجه يوم الجمعة المقبل و أختار شخصا ينوب عني في البرلمان، شخص ينتمي إلى حزب لا يقدم الوعود و إنما يقدم برنامجا حكوميا قابلا للتطبيق؟". كانت لا تزال أمي واقفة بجانبي حينما فكرت في هذا السؤال و قلت لها ماذا قررت أنت أن تفعلين؟ فأجابت: "أنا سوف أصوت على نفس الشخص الذي منحته صوتي قبل أربع سنوات، اللي تعرفو حسن من لمتعرفوش". ضحكت و سألتها مرة ثانية "هل تجدين هذا الشخص أهلا للثقة؟ فصوتك مثل فتاة سوف تزوجينها، بطبيعة الحال لا يمكن أن تعطي فتاتك لأي كان، فهي أمانة عندك و لا بد أن تثقي بالشخص الذي يطلبها للزواج".

قالت: "أنا لا أعرف الآخرين". قلت لها: "لماذا لا تتعرفين عليهم، لماذا لا تمنحيهم فرصة ليبرهنوا على جدارتهم، لماذا تصادرين حقهم في أن يقنعوك ببرامجهم؟"، صمتت برهة و قالت سوف أفكر في الأمر.

في الحقيقة، لم تكن نيتي عند كتابة هذا المقال أن أسرد حواري مع والدتي و كنت أنوي فقط الحديث عن خصوصية المحطة المقبلة من الانتخابات التشريعية التي سوف تعرفها بلادنا يوم الجمعة المقبل. فمعلوم أن انتخابات هذا العام تتميز عن مثيلاتها في العقود الماضية بكونها تعتبر محكا حقيقيا لقدرة المغاربة (حكومة و شعبا) على تنزيل مضمون الدستور الجديد إلى الواقع و تكريس التقدم الذي يشهده المغرب في مجال الممارسة الديمقراطية. فعلى عكس العديد من الدول العربية و الافريقية و حتى في أمريكا اللاتينية، استطاع المغرب أن يبتكر لنفسه نموذجا سياسيا جديدا ينفرد بعدة خصوصيات لعل أهمها هو التناوب على السلطة و التعددية الحزبية و نظام الجهوية و اللامركزية الإدارية رغم التحديات التي كانت و لا تزال تواجهه خاصة مشكل الصحراء. و برأيي، سلك هذا الطريق من طرف الساسة المغاربة كان مغامرة كبيرة بالنظر إلى وجود عدو يتربص بالوحدة الترابية و يتمتع بدعم غير مشروط من لدن دولة مجاورة.

أقول مغامرة سياسية لأن جميع الدول التي تكون داخلة في حرب مسلحة تعلن حالة الاستثناء و تكرس مركزية السلطة و تكبح جماح الاحزاب السياسية، بل هناك من الدول من تحولت إلى النظام الاشتراكي و حكم الحزب الواحد بدريعة أن مجابهة العدو تبقى أولوية الأولويات. لكن المغرب راهن على الديمقراطية كسبيل لتنمية البلاد و تقوية الجبهة الداخلية لمواجهة العدو الخارجي. و بالفعل، لقد نجح، رغم التحفظات التي يكمن طرحها حول هذا النجاح، في الانخراط في صيرورة ديمقراطية متواصلة لا تنفك تتعزز بمكتسبات جديدة كان آخرها التعديلات الدستورية و التصويت عليها بكثافة من طرف المغاربة.

هل يعني هذا أن المغرب أصبح دولة ديمقراطية؟؟ الجواب طبعا لا، و لكنه في نفس الآن ليس دولة دكتاتورية لا يسمع فيها إلا صوت واحد. بل الجواب الذي يمكن أن نقدمه بكل طمأنينة هو أن المغرب دولة نامية استطاعت أن تطور تقاليد ديمقراطية تراعي خصوصياتها الثقافية و التاريخية. و بالتالي فالانتخابات التشريعية المقبلة لا تمثل قطيعة مع الماضي بل سوف تكون تطويرا لهذا الماضي الذي يتقاسمه جميع المغاربة. ليس من المستبعد أن نجد أنفسنا أمام نسبة مشاركة أقل من تلك التي سجلت خلال التصويت على الاستفتاء لأن الاستفتاء كان مسألة مصيرية بالنسبة للمغاربة، خصوصا لتأكيد وجودهم و قطع الطريق على الذين يريدون التحدث باسمهم. أما الانتخابات التشريعية فهي جزئية و تتوقف على قدرة الاحزاب في تنشيط المشهد السياسي و الفوز بأصوات الناخبين. و عموما فإن حتى في الدول المتقدمة تسجل نسب مشاركة متوسطة خلال الانتخابات التشريعية.

  الخامس و العشرون من شهر نونبر هو موعد مع التاريخ و فرصة للرقي بالمغرب إلى مصاف الدول المتقدمة ديمقراطيا. هذه الفرصة لا يجب إهدارها، لأننا رأينا و لا زلنا نشاهد على شاشة التلفاز حجم الدمار و الدماء التي تسفك في عدة دول عربية كان من سوء حظها أن حكمتها أنظمة دكتاتورية، فقط من أجل نيل فرصة التعبير بحرية و اختيار من يسوس شؤونهم. وفي تونس خير مثال على تعطش الناس إلى التمتع بنسيم الحرية و التعبير، لذلك خرجوا عن بكرة أبيهم للتصويت و اختيار من يروه صالحا لهم. في المغرب، يمكننا أن نقول بعيدا عن أي تبجح أو غرور بالنفس إننا لا نحتاج إلى سفك الدماء لننال هذه الفرصة لأن المغاربة نالوها منذ كان لا يزال المستعمر الفرنسي متواجدا ببلادنا عندما ثار الشعب و الملك معا ضد هذا الاستعمار و طردوه، ثم بعد ذلك التحمت الحركة الوطنية بالعرش و شكلوا أول حكومة وضعت نصب عينيها هدفا واحدا و هو بناء مغرب قوي بمؤسساته الديمقراطية و بأبنائه المتنورين. و بالفعل كان المغرب أول من تبنى التعددية الحزبية و التناوب على السلطة.

ليس من شك أن طريق الديمقراطية شاق و طويل، بيد أن المغرب استطاع أن يقطع بثبات أشواطا مهمة من هذه الطريق، و باث قاب قوسين أو أدنى من إكماله و تحقيق الامل الذي لا يعتري المغاربة فقط بل العرب جميعا. فالمغرب على مر التاريخ شكل استثناء و تشبت باستقلاله الثقافي و السياسي عن كل الامبراطوريات سواء تلك الوافدة من الشرق أو من الغرب. لذلك فالحفاظ على الاستثناء المغربي ليس مهمة فرد واحد أو جماعة واحدة، بل هو واجب يتقاسمه جميع المغاربة بغض النظر عن المسؤوليات التي يتقلدوها أو المواقع التي يحتلوها.  

باحث في علم الاجتماع السياسي.


التعليقات

9

آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم

مراد

تعليق 1

أنا مواطن تونسي، و بعد قراءتي لهذا المقال، يمكن أن أقول بأن أقول بأني متفق مع صاحبه، خصوصا في النقطة التي أشار فيها إلى أن فرصة التعبير بحرية و شفافية ليست متاحة لجميع الشعوب، و نحن في تونس ضحينا بالعديد من أرواح الابرياء لننال هذه الفرصة، أنا في المغرب فأظن أن الناس هنا محظوظين بأن تاتيهم هذه الفرصة دون سفك الدماء. لا تقاطعوا الانتخابات، فذلك ليس هو الحل.

مراد

تعليق 2

أنا مواطن تونسي، و بعد قراءتي لهذا المقال، يمكن أن أقول بأن أقول بأني متفق مع صاحبه، خصوصا في النقطة التي أشار فيها إلى أن فرصة التعبير بحرية و شفافية ليست متاحة لجميع الشعوب، و نحن في تونس ضحينا بالعديد من أرواح الابرياء لننال هذه الفرصة، أنا في المغرب فأظن أن الناس هنا محظوظين بأن تاتيهم هذه الفرصة دون سفك الدماء. لا تقاطعوا الانتخابات، فذلك ليس هو الحل

aaaaaaaaaaaaaa

تعليق 3

صوت غير انت بوحدك ok سمحنا ليك اسيدي في الديمقراطية ديالك و تى الدستور.

younes

تعليق 4

اسي هد الكلام كن سمعوعه هد 40 سنةحنا دولة نامية و حنامستهدفين برك متبنديق راه كلشي عاق الديمقراطية تاخد ولا تعطى بتقسيط

مغربي

تعليق 5

الانتخابات؟ ننتخب من؟نفس الشخصيات مع تصعيد في الوعود التي لن تخرج للوجود كسابقاتها. سئمنا فعلا. عليه العوض ومنه العوض  !

ندى

تعليق 6

سوف نصوت لاننا نؤمن بالديموقراطية،ولان الشفافية موجودة، والتصويت ولجب وطني...وفرصة لا يجب إهدارها...سأشارك واسمع صوتي...

نوال

تعليق 7

أولا أودأن أشكر الأستادمحمد كريمي على مقالاته التي أواظب على قراءتهالكنني مع هدا أود معاتبته على غيابه النسبي في الآونة الأخيرة *أرجوك أن لا تبخل علينا بمقالاتك الجميلة*. أما بالنسبة لتعليقي على مقالك هدا فأنا أشاطرك الرأي تمامافالعزوف عن التصويت ليس هو الحل بل علينا جميعا أن نتوجه لصناديق الاقتراع للتعبير عن ارادتنا و الوقوف ضدكل من يقف في وجه دمقرطة المشهد السياسي في المغرب و على راسهم دعاة مقاطعة انتخابات 25 نونبر

Ranim

تعليق 8

slt; moi je suis MRE et je suis totalement avec Mr Karimi mais voila pourquoi la france est un pays développé; labas les gens sont consient de l importance du vote et ils ne boycottent pas les élections ! le maroc ne peut en aucun cas etre comparé à la lybie \"lokan 3rafto l9am3 d besah ...................\'

etudiant chercheur

تعليق 9

je ne sais pas pourquoi on compare le Maroc avec la Tunisie ou la Libye, ceci témoigne d\'une vision très superflue totalement éloignée de la réalité sociopolitique du Maroc qui a entamé son processus de démocratisation de la vie politique depuis l\'intronisation du jeune monarque Mohammed VI et le passage du gouvernement d\' alternance une phase historique qui a constitue une réelle reparation des erreurs du passe Aujourd\'hui tous observateur du cas marocain peut comprendre que ce qui se passe en scène est un débat profond mettant en vitesse de croisière un nouveau rythme de revendications sociales loin d\'une transition démocratique qui ne fait que ses débuts en Tunisie ..

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.